الشيخ محمد هادي معرفة

277

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

بعض الملحدين ممّن يتستّر بإظهار الإسلام - وهو قاصد إلى إفساده - : هذا جائز بعد وفاته صلى الله عليه وآله أيضا واستدلّ في ذلك بما روي أنّ أبا بكر الصدّيق كان يقرأ « لاترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم » . وأنس كان يقول : قرأنا في القرآن « بلّغوا عنّا قومنا إنّا لقينا ربّنا فرضي عنّا وأرضانا » . وقال عمر : قرأنا آية الرجم في كتاب اللّه ووعيناها . وقال أُبيّبن كعب : إنَّ سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة أو أطول منها ! ! قال : والشافعي ، لايظنّ به موافقة هؤلاء في هذا القول ، ولكنّه استدلّ بما هو قريب من هذا في عدد الرضعات ، « 1 » فإنّه صحّح ما يروى عن عائشة : وإنَّ ممّا أُنزل في القرآن « عشر رضعات معلومات يحرّمن » فنسخن بخمس رضعات معلومات ، وكان ذلك ممّا يتلى في القرآن بعد وفاة رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله . قال : والدليل على بطلان هذا القول قوله تعالى : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » . « 2 » ومعلوم أنّه ليس المراد الحفظ لديه تعالى ، فإنّه يتعالى من أن يوصف بالغفلة أو النسيان ، فعرفنا أنّ المراد الحفظ لدينا . . . وقد ثبت أنّه لاناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه وآله ولو جوّزنا هذا في بعض ما أُوحي إليه لوجب القول بتجويز ذلك في جميعه ، فيؤدّي ذلك إلى القول بأن لا يبقى شيء ممّا ثبت بالوحي بين الناس في حال بقاء التكليف . وأيّ قول أقبح من هذا ؟ ! ومن فتح هذا الباب لم يأمن أن يكون بعض ما بأيدينا اليوم أو كلّه مخالف لشريعة رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله بأن نسخ اللّه ذلك بعده ، وألّف بين قلوب الناس على أن ألهمهم ما هو خلاف شريعته . فلصيانة الدين إلى آخر الدهر أخبر اللّه تعالى أنّه هو الحافظ لما أنزله على رسوله . وبه يتبيّن أنّه لا يجوز نسخ شيء منه بعد وفاته . وما ينقل من أخبار الآحاد شاذّ لا يكاد يصحّ شيء منها . قال : وحديث عائشة لا يكاد يصحّ ، لأنّه ( أي الراوي ) قال في ذلك الحديث : وكانت الصحيفة تحت السرير فاشتغلنا بدفن رسول اللّه صلى الله عليه وآله فدخل داجن البيت فأكله . ومعلوم أنّ

--> ( 1 ) - وهكذا أبو محمد بن حزم استدلّ بذلك ، انظر المحلّى : ج 1 ، ص 15 . ( 2 ) - الحجر 9 : 15 .