الشيخ محمد هادي معرفة
267
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
منسوخة الحكم لا فائدة في ثبتها سوى القراءة المجرّدة ؟ وهم غفلوا أو تغافلوا عن أنّ الثبت القرآني لم يقم على أساس التشريع فحسب ، إذ ليس في القرآن من آيات الأحكام سوى ما يقرب من خسمائة آية ، من بضع وستة آلاف آية - وسنشرح هذه الناحية في حقل ردّ الشبهات - وربّما وقف بعض الكتّاب الإسلاميّين عن ردّ هذه الشبهة وأمثالها ، فأنكر وجود آية منسوخة في القرآن - على ما نبحث - ومن ثمّ كان من ضرورة الباحث الإسلاميّ أن يعالج هذه المسألة معالجة فنّية على أساليب النقد الراهن ، بعد أن كانت المسألة ممّا يمسّ أخطر جانب من حياة المسلمين وهو كتابهم المعجز الخالد ، فيقوم في وجه المعاندين سدّا منيعا ، ومدافعا عن كتاب اللّه المجيد الذي « لا رَيْبَ فِيهِ » و « لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » . « 1 » وليكن بحثنا الحاضر مقتصرا على مسألة « النسخ في القرآن » بصنوفه وشرائطه وليس بحثا عن مطلق النسخ في الشريعة ، الذي هو بحث عامّ أُصوليّ ، خارج - بعض الشيء - عن صبغة البحث القرآنيّ الذي هو موضوع كتابنا هذا ، ومن اللّه التوفيق . التعريف بالنسخ جاءت تعاريف العلماء للنسخ مختلفة وفاء وقصورا لهذه الظاهرة الدينيّة ، غير أنّها - جميعا - تشير إلى حقيقة واحدة نلخّصها فيما يلي : « هو رفع تشريع سابق - كان يقتضي الدوام حسب ظاهره - بتشريع لاحق ، بحيث لا يمكن اجتماعهما معا ، إمّا ذاتا ، إذا كان التنافي بينهما بيّنا ، أو بدليل خاص ، من إجماع أو نصّ صريح » . إذن فرفع الحكم عن بعض أفراد الموضوع العامّ ، ليس نسخا - في المصطلح - إذ لم يرتفع التشريع السابق نهائيّا ، وإنّما اختصّ بسائر الأفراد ، ومن ثمّ فهو تخصيص في العامّ ، أو تقييد في الحكم المطلق .
--> ( 1 ) - فصّلت 42 : 41 .