الشيخ محمد هادي معرفة

226

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

لكن الصحيح أنّ هذه النسبة غير ثابتة ، ومن ثَمَّ لم يبتّ مكّي في إسناد ذلك إلى حفص ، وإنّما ذكره عن ترديد وشكّ بلفظة المجهول : « ذُكِرَ عن حفص » . « روي عن حفص » . كأنّه لم تثبت عنده صحّة ذلك قطعيّا . وهذا هو الذي نرجّحه نحن ، نظرا لأنّ وثوق مثل حفص ، بابن عمر الهائم في مذاهبه ، لم يكن بمرتبة توجب ترجيحه على الوثوق بشيخه الضابط الأمين ، إذ كانت قراءة عاصم ترتفع إلى مثل عليّ عليه السلام في سلسلة إسناد ذهبيّ رفيع ، وقد أتقنه عاصم إتقانا ، فأودعه ربيبه وثقته حفصا . الأمر الذي لا ينبغي الارتياب فيه لمجرّد رواية رواها رجل غير موثوق به إطلاقا . إذ كيف يخفى مثل هذا الأمر - في قراءة آية قرآنية - على سائر الصحابة الكبار الأُمناء ، ويبديه النبيّ صلى الله عليه وآله لابن عمر اختصاصا به ؟ ! وهل يعقل أن يترك حفص قراءة ضمن شيخه الثقة أنّها قراءة عليّ عليه السلام في جميع حروفها كاملة أخذها عن شيخه السلميّ في إخلاص وأمانة ، لمجرّد رواية لم تثبت صحّتها ؟ ! وإذ كنّا نعرف مبلغ تدقيق الكوفيّين ولاسيّما في عصر التابعين ، ومدى ولائهم لآل البيت عليهم السلام واتّهامهم لأمثال ابن عمر نقطع بكذب الإسناد المذكور وأنّ حفصا لم يخالف شيخه عاصما في شيء من حروفه إطلاقا ، كما لم يخالف عاصم شيخه السلميّ في شيء من قراءته ، لأنّ السُّلَميّ لم يخالف عليّا أمير المؤمنين عليه السلام . هذا هو الصحيح عندنا . فالأرجح أنّ حفصا لم يقرأ بالضم ولم يخالف شيخه عاصما إطلاقا . صلة الشيعة بالقرآن الوثيقة لم يبعثنا على عقد هذا الفصل سوى أنّا وجدنا في كلمات بعض من تُعوزهم الحرّية في التفكير ، ويُفضّلون تقليد أسلافهم في الحقد على أُمَّة كبيرة من المسلمين لاذنب لهم سوى تمسّكهم بولاء آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله عملًا بوصيّته صلى الله عليه وآله « 1 » وإجابة لدعوة القرآن الكريم . « 2 »

--> ( 1 ) - في حديث الثقلين وحديث السفينة وغيرهما . ( 2 ) - في قوله تعالى : « قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى » . الشورى 23 : 42 .