الشيخ محمد هادي معرفة

210

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

قال العلّاف : سألت أبا طاهر : أي الرجلين أفضل ، أبو بكر ابن مجاهد ، أو أبو الحسن ابن شنبوذ ؟ قال : فقال لي أبو طاهر : أبو بكر ابن مجاهد عقله فوق علمه ، وأبو الحسن ابن شنبوذ علمه فوق عقله . « 1 » كان ابن مجاهد حريصا على التزمّت ، والأخذ بتقليد السلف فيما قرأوا ، قال عبد الواحد بن أبي هاشم : سأل رجل ابن مجاهد : لم لا يختار الشيخ لنفسه حرفا يحمل عليه ؟ فقال : نحن أحوج إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمّتنا ، أحوج منّا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا . « 2 » وهو الذي أشار على الوزير ابن مقلة بإحضار ابن شنبوذ « 3 » وابن مقسم « 4 » في مجلسين ومحاكمة كلّ واحد منهما بملأ من الفقهاء ، للضرب على يد الاختيار رأسا . قال الدكتور صبحي الصالح : وقد انعقد المجلسان بأمر شيخ القرّاء ابن مجاهد ، الذي عرفنا أنّه أوّل من جمع القراءات السبع . وكان ابن مجاهد قد أخذ القراءة عن ابن شاذان الرازي الذي أخذ عنه أيضا كلّ من ابن مقسم وابن شنبوذ ولكن اشتراك الثلاثة في التلقّي عن شيخ واحد لم يمنع ابن مجاهد من التشدّد مع زميليه . « 5 » وكان اعتراض ابن شنبوذ لموقف ابن مجاهد هذا شديدا ، حسبما ذكرنا بعض كلامه . وهكذا اعترض ابن مقسم على سدّ باب الاختيار في القراءة ، قال : لمّا كان لخلف بن هشام وأبي عبيد وابن سعدان ، أن يختاروا ، وكان ذلك مباحا لهم غير منكر ، كان لمن بعدهم - أيضا - مباحا . « 6 » وهكذا جاهد ابن مجاهد قصارى جهده في سدّ باب الاختيار في القراءة وقد توفّق لذلك نسبيّا ، حيث وافقته الظروف القاسية التي كانت تمرّ بركب الإسلام ذلك القرن

--> ( 1 ) - غاية النهاية في طبقات القرّاء ، ج 2 ، ص 54 - 56 . ( 2 ) - معرفة القرّاء الكبار ، ج 1 ، ص 217 . ( 3 ) - محمّدبن أحمد بن أيّوب بن شنبوذ . راجع : غاية النهاية في طبقات القرّاء ، ج 2 ، ص 52 . ( 4 ) - محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن مقسم . راجع : المصدر ، ص 123 . ( 5 ) - مباحث في علوم القرآن ، ص 251 - 252 ؛ وراجع : معرفة القرّاء الكبار ، ج 1 ، ص 221 و 247 . ( 6 ) - معرفة القرّاء الكبار ، ج 1 ، ص 249 .