الشيخ محمد هادي معرفة

148

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

نعم ، ليس الاختلاف في مثل قراءة « كُفُّوا » أو « هزء » أو « هَيْتَ لَكَ » « 1 » أو « أُفٍّ » « 2 » أو في مثل الإمالة والإشباع والتخفيف والتحقيق والإشمام والروم وأمثال ذلك ، من هذا الباب ، إذ أنّها اختلافات في اللهجات وفي الأداء والتعبير ، وقد أجاز النبيّ صلى الله عليه وآله للعرب أن تقرأ القرآن بلهجاتها المختلفة ، حسبما فسّرنا حديث « أُنزل القرآن على سبعة أحرف » بذلك ، كماورد قوله صلى الله عليه وآله : « فاقرأوا كيف شئتم » . « 3 » وعليه فبأيّها قرئت كانت صحيحة ، اللّهمّ إلّا إذا خرجت عن متعارف العامّة إلى حدّ يستبشع منه ، كما في أكثر إدغامات أبي عمرو والمدّ الزائد والتحقيق البالغ والنبر ونحو ذلك . فإنّها غير جائزة ولاتصحّ القراءة بها في الصلاة إطلاقا . 3 - ( في موضع الكلمة ) . فالقراءة بالتقديم والتأخير باطلة ، لأنّها خارجة عن الرسم المعهود بين المسلمين ، كما في قوله تعالى : « فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ » قرأ حمزة والكسائي بتقديم المفعول على الفاعل ، والباقون بتقديم الفاعل على المفعول ، والثانية هي المشهورة « 4 » وكقراءة أبي بكر : « وَجَاءَتْ سَكْرَة الحقِّ بِالموتِ » والقراءة المأثورة هي : « وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ » . « 5 » ولاشكّ أنّ الترجيح في مثل هذا الاختلاف - أيضا - مع المشهورة ، والأُخرى باطلة ، لمخالفتها الرسم والمتعاهد بين عامّة المسلمين جميعا . وأمّا موافقة الأفصح في اللغة والأفشى في العربيّة فلأنّ القرآن نزل على درجة أعلى من البلاغة ، ويستحيل أن يستعمل كلمة يمجّها الذوق العربي السليم ، أو يخالف قياسا تسلّمته العرب الفصحى عادة طبيعيّة متعارفة . وإلّا لكانت العرب تستغرب من القرآن في بدء أمره أو تستنكر منه ما يبطل به التحدّي الذي يصرخ به القرآن علانية وعلى رؤوس

--> ( 1 ) - قرئ بكسر الهاء وفتح التاء وبفتح الهاء وضمّ التاء . وبفتحهما . وبالهمز بدل الياء مع ضمّ التاء . وبفتح الهاء وكسر التاء . وبالجمع بين الياء والهاء . مجمع البيان ، ج 5 ، ص 222 . ( 2 ) - قرئ بضم الهمز وفتح الفاء المشدّدة من غير تنوين . وبكسر الفاء منوّنة . وبالكسر من غير تنوين . وبضمّ الفاء من غير تنوين . وبتخفيف الفاء أيضا . مجمع البيان ، ج 6 ، ص 408 . ( 3 ) - راجع : تأويل مشكل القرآن ، ص 34 . ( 4 ) - التوبة 111 : 9 . راجع : تفسير القرطبي ، ج 8 ، ص 268 . ( 5 ) - ق 19 : 50 . راجع : المصدر ، ج 17 ، ص 12 .