الشيخ محمد هادي معرفة
133
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
فيدفعه التأويل » « 1 » ثمّ جعل يسرد أمثلة ممّا قدّمنا . قلت : فما موقعيّة اشتراط « موافقة العربيّة » معيارا لتعيين القراءة الصحيحة عن الشاذّة ؟ ! . وكلّ قراءة مهما شذّت ، فإنّ لها تأويلًا ممكنا يتوافق مع وجه من وجوه العربيّة ولو بعيدا ، كما تقدّم . وقد وضع كثير من القدامى والمتأخّرين رسائل لمعالجة القراءات الشاذّة وتوجيهها من لغة العرب ، الأمر الذي يجعل من اشتراط العربيّة لغوا محضا . ولعلّ معترضا يقول : هب إنّ كلّ واحد من الأركان الثلاثة لا يفي بتعيين القراءة الصحيحة ، لكنّها جميعا صالحة للإيفاء بذلك ، حيث لا يمكن اجتماعها إلّا في قراءة صحيحة . قلنا : أمّا اشتراط السند فاقرأه عنّي السلام ، إذ لا نملك لآحاد القراءات إسنادا متّصلًا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله واحدة واحدة ، فكيف بصحّته أو تواتره . إذ غاية ما هناك أنّ لكلّ قارئ شيخا ، ولشيخه أيضا شيخ وهكذا ، أمّا أنّ آحاد قراءاته جميعا مأخوذة من شيخه ذاك ، فهذا أمر لا يمكن إثباته ، حيث كانت اجتهادات القرّاء أنفسهم هي من أكبر العوامل لاختياراتهم في القراءات . فهذا الكسائي - مثلًا - لم يكن يحسب لمشيخته فيما كان يختاره من وجه حسابا ، وكذا غيره من القرّاء ، ولا سيّما النحويّين منهم ، كما سيأتي . « 2 » هذا فضلا عن الشكّ في أصل تلكم الأسانيد ، ولعلّها مصطنعة تشريفيّا حسبما تقدّم . وبقي الشرطان الآخران - موافقة الرسم والعربيّة - غير أنّ قيد : « ولو احتمالًا » و « ولو بوجه » أبطل أثرهما ، بعد إمكان التوفيق بين القراءات الشاذّة ومرسوم الخطّ والعربيّة ولو بعيدا . فالصحيح أنّ هذه الشروط الثلاثة لا تفي علاجا بالموضوع ، وإنّما ذكرها من ذكرها ظاهريّا ، وتبعه غيره تقليديّا من غير تحقيق .
--> ( 1 ) - البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 341 . ( 2 ) - راجع : معرفة القرّاء ، ج 1 ، ص 100 .