الشيخ محمد هادي معرفة

120

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

أخذوا في تحريفها وتحويرها يمنة ويسرة ، ولكن من غير جدوى فاستبدلوا من شرط « التواتر » - الذي كان رائجا على ألسنة غوغاء الناس - كفاية صحّة الإسناد ، ولكن إذ لم يوجد لبعض القرّاء إسناد فماذا ؟ وكذلك شرط « موافقة الرسم » ، رسم أي مصحف ؟ أهو مصحف عثمان « الأُم » ؟ ، فلم يكن بمعرض العامّة . أم هي المصاحف الأُولى المبعوثة إلى الآفاق ؟ . فلم يعد لها وجود منذ عام « 74 » حيث جمعها الحجاج بأمر عبد الملك بن مروان ، في مرسوم سلطانيّ عامّ . وقد حاول بعض الأئمة ( الإمام مالك ) العثور على نسخة منها فلم يستطع . ثمّ إنّ قيد : « ولو احتمالا » يذهب بأثر هذا الاشتراط رأسا . وأمّا شرط « العربيّة » فقيّد : « ولو بوجه » ، أبطل أثره نهائيا ، إذ ما من قراءة شاذّة إلّا ولها وجه في العربيّة ولو بعيدا . هذا إجمال مناقشتنا في هذه البنود ، التي اعتبروها شروطا أساسيّة لمعرفة صحيح القراءة عن ضعيفها . وإليك التفصيل : أمّا موافقة الرسم - وهو عمدة الشروط - فالمصحف الأُمّ - مصحف عثمان المختص به - أو مصحف المدينة المودع في مسجدها ، فإنّه لم يكن بمعرض العموم ، فضلا عن أنّ المعتمد - في تصريح الجماعة - هو مطلق المصاحف العثمانية الأُولى ، لا خصوص المصحف الأُمّ . قال الإمام شهاب الدين القسطلاني : وأمّا قول القائل : « ووافق لفظه خطّ المصحف الإمام » ففيه نظر ، من جهة تقييده بالإمام ، وهو مصحف عثمان الذي أمسكه لنفسه ، لأنّ المعتمد : موافقة أحد المصاحف العثمانيّة ، كما في « النشر » وغيره . « 1 » ودليلا على ذلك أنّهم اكتفوا بموافقة سائرالمصاحف كمصحف الشام ومكّة وغيرهما .

--> ( 1 ) - لطائف الإشارات للقسطلاني ، ج 1 ، ص 68 .