الشيخ محمد هادي معرفة
11
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
لكنّه لم يكترث به وأبدى تساهله بشأن الإصلاح ، الأمر الذي يُؤخذ عليه شديدا . هذا فضلًا عن دلالة الأمر على عدم كفاءة الأشخاص الذين انتدبهم عثمان لهذا الأمر الجلل ، وعدم جدارتهم للقيام بهكذا عمل خطير . ومع ذلك فإنّ الخليفة لم يُعِد النظر في أمر القرآن ، ولعلّه كان تسرّعا في الأمر بلامبرر معقول . يحدّثنا ابن أبي داود : أنّهم بعد ما أكملوا نسخ المصاحف ، رفعوا إلى عثمان مصحفا فنظر فيه فقال : قد أحسنتم وأجملتم ، أرى فيه شيئا من لحن ، ستقيمه العرب بألسنتها . ثمّ قال : أما لو كان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا . « 1 » ما ندري لم هذا التساهل بشأن كتاب اللّه العزيز الحميد ! ولعلّ معترضا يقول : هب أنّ الخليفة عثمان تساهل بشأن الخلل الذي لمسه في مرسوم خطّ المصحف ، فلماذا تساهل الخلفاء من بعده بهذا الشأن ، ولاسيّما مثل الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام الذي كان أعلم الصحابة بالقرآن وأحرصهم على حفظه وجمعه . قلنا : سبق منّا الإجابة على ذلك ، وأنّه لم يكن من مصلحة الأُمّة مساس القرآن بعد ذلك - بيد إصلاح قط . وإلّا لاتخذها أهل الأهواء والبدع ذريعة إلى تحريف القرآن والتلاعب بنصّه الكريم ، بحجّة إصلاح خطئه ، فكان يقع القرآن الكريم عرضة الأطماع والسياسات المتبدّلة حسب تطوّر الزمان . وأوّل من أحسّ بهذا الخطر الرهيب ، هو الإمام أمير المؤمنين عليه السلام فقام في وجه هذا الباب وأغلقه غلقا مع الأبد . ذكروا أنّ رجلًا قرأ بمسمع الإمام عليه السلام « وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ » « 2 » فجعل الإمام يترنّم لدى نفسه : ما شأن الطلح ؟ إنّما هو طلع كما جاء في قوله تعالى : « وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ » . « 3 »
--> ( 1 ) - المصاحف لابن أبي داود السجستاني ، ص 32 - 33 . ( 2 ) - الواقعة 29 : 56 . ( 3 ) - ق 10 : 50 .