الشيخ محمد هادي معرفة

109

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وبه يتمّ الحكم والفائدة في أن لا توطأ الحائض إلّا بانقطاع الدم والتطهير بالماء . أمّا لو شُدّد « يَطَّهّرن » وكان بمعنى « تَطَهَّرن » للزم جواز الوطىء إذا تطهّرت بالماء ، وإن لم ينقطع عنها الدم . إذ لم يأت ذكر عن انقطاع دمها . ففي التخفيف بيان الشرطين اللّذين مع وجودهما معا جاز الوطىء ، وهما : قطع الدم والتطهّر بالماء ، وليس مع قراءة التشديد فيها دليل على اشتراط قطع الدم للوطىء . فالقراءة بالتخفيف فيها بيان الحكم وفائدته . . . « 1 » هذا هو ظاهر تعبير الآية إن أخذنا كلًاّ من الشرطين ولاسيّما الشرط الثاني ، إلزاميّا ، كما هو ظاهر السياق ، وهو الحجّة حسب تصريح النصّ . قال ابن العربي : كان معنى « حَتَّى يَطْهُرْنَ » : حتى ينقطع دمهنّ ، لكنّه تعالى لمّا قال بعد ذلك : « فإذا تطّهّرن » ، معناه : فإذا اغتسلن بالماء ، تعلّق الحكم على شرطين : أحدهما : انقطاع الدم . والثاني : الاغتسال . فوقف الحكم - وهو جواز الوطىء - على الشرطين . وصار ذلك كقوله تعالى : « وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ » ، « 2 » فعلّق الحكم - وهو جواز دفع المال - على شرطين : أحدهما : بلوغ النكاح ، والثاني : إيناس الرشد . فوقف عليهما ولم يصحّ ثبوته بأحدهما . وكذلك قوله تعالى في المطلّقة ثلاثا : « فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ، فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا » . « 3 » وقد وردت السّنّة باشتراط الوطىء . فوقف التحليل على الأمرين جميعا ، كما هنا . « 4 » أخرج البيهقي بإسناده إلى ابن عباس في قوله تعالى : « فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ » يقول : اعتزلوا نكاحهنّ ، ولاتقربوهنّ حتّى يَطْهُرن ، يقول : إذا تَطَهّرن من الدم وتَطَهّرن بالماء ، فأتوهنّ من حيث أمركم اللّه . . .

--> ( 1 ) - الكشف ، ج 1 ، ص 293 - 294 مع شيء من التوضيح . ( 2 ) - النساء 6 : 4 . ( 3 ) - البقرة 230 : 2 . ( 4 ) - أحكام القرآن لابن العربي أبي بكر محمد بن عبداللّه ، ج 1 ، ص 166 - 167 .