الشيخ محمد هادي معرفة
108
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
4 - قوله تعالى : « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ، قُلْ : هُوَ أَذىً ، فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ، فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ . . . » . « 1 » قرأ حفص والمشهور : « حتّى يَطْهُرْنَ » بسكون الطاء وضمّ الهاء مخفّفةً . وقرأ ابن عياش وحمزة والكسائي وخَلَف : « حتّى يطّهّرن » بتشديد الطاء والهاء مفتوحةً . « 2 » قالوا : كان مقتضى القراءة بالتخفيف هو جواز وطئ الحائض بعد انقطاع الدم وإن لم تغتسل . أمّا على القراءة بالتشديد فلا يجوز إلّا بعد اغتسالها من الحيض . ومن ثَمَّ اختلف الفقهاء في ذلك ! قال الشافعي : لايحلّ وطؤها إلّا بعد أن تستبيح فعل الصلاة . ومن السلف : الحسن البصري وسليمان بن يسار والزهري وربيعة ومالك والليث بن سعد والثوري . « 3 » غير أنّ اختلاف الفقهاء في ذلك لايمتّ بجانب القراءة ، وإنّما هو ناشئ عن سياق الآية - مع التسالم على قراءة التخفيف - إذ كان شرط جواز اقترابهنّ أمرين : انقطاع الدم والاغتسال معا ، حسب ظاهر تعبير الآية . إذ لو جازت مباشرتهنّ فور انقطاع دمهنّ وقبل التطهّر ، لم يكن لذكر « فإذا تطهّرن » فائدة . فتبيّن أنّ لجواز الوطىء شرطين : قطع الدم والاغتسال جميعا . قال أبو محمد مكّي بن أبي طالب القيسي : قرأه الحرميّان وأبو عمرو وابن عامر وحفص : مضموم الهاء مخفّفا على معنى ارتفاع الدم وانقطاعه ، ولكن لم تتمّ الفائدة إلّا بقوله : « فإذا تطهّرن » أي بالماء ، فأتوهنّ . فبهذا تمّت الفائدة والحكم ، لأنّ الكلام متّصل بعضُه ببعض ، فلا يَحْسُن أن يكون « يَطْهُرن » مخفّفا ، تتمّ عليها الفائدة والحكم ، لأنّه يوجب [ جواز ] إتيان المرأة إذا انقطع عنها الدم وإن لم تتطهّر بالماء ، ويكون قوله : « فإذا تطهّرن » لا فائدة له . إذ الوطىء قد يتمّ بزوال الدم . فلابدّ من اتّصال « فإذا تطهّرن » بما قبله ،
--> ( 1 ) - البقرة 222 : 2 . ( 2 ) - النشر ، ج 2 ، ص 227 . ( 3 ) - راجع : الخلاف للطوسي ، ج 1 ، ص 228 .