الشيخ محمد هادي معرفة
97
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
خطر له في النوم سورة الكوثر المنزلة عليه قبل ذلك ، فقرأها عليهم وفسّرها لهم . قال : وقد يحمل ذلك على الحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحي - ويقال لها : برحاء الوحي - وهي سبتة شبه النعاس كانت تعرضه من ثقل الوحي . قال جلال الدين : الذي قاله الرافعي في غاية الاتجاه ، والتأويل الأخير أصحّ من الأوّل لأنّ قوله « آنفا » يدفع كونها نزلت قبل ذلك ، بل نزلت في تلك الحالة ، ولم يكن الإغفاء إغفاء نوم بل الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي « 1 » وآنف بمعنى : قبيل هذا الوقت . أقول : لاشكّ أنّ سورة الكوثر مكّية ، وهذا هو المشهور بين المفسّرين شهرة تكاد تبلغ التواتر . قالوا : نزلت بمكة عندما عابه المشركون بأنّهأبتر لاعقب له ، أو أنّهمبتور من قومه منبوذ . وهكذا لمّا مات ابنه عبداللّه مشت قريش بعضهم إلى بعض متباشرين ، فقالوا : إنّ هذا الصابي قد بتر الليلة . قال ابن عباس : دخل رسولاللّه صلى الله عليه وآله من باب الصفا وخرج من باب المروة ، فاستقبله العاص بن وائل السهمي ، فرجع العاص إلى قريش ، فقالت له قريش : من استقبلك يا أبا عمرو آنفا ؟ قال : ذلك الأبتر - يريد به النبيّ صلى الله عليه وآله - فأنزل اللّه - جلّ جلاله - سورة الكوثر ، تسلية لنفس نبيّه الزكيّة . « 2 » هذا وأنس عند وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله لم يبلغ العشرين ، إذ كان عند مقدمه صلى الله عليه وآله المدينة طفلا لم يتجاوز التسع وقيل : ثماني سنوات ، « 3 » فكيف نثق بحديث منه يخالف إطباق الامَّة على خلافه ، وأنّها نزلت بمكة في قصة جازت حدّ التواتر ؟ ! الأمر الذي يرجّح الوجه الأوّل من اختيار الإمام الرافعي ، أو نجعل من رواية أنس حبلها على غاربها !
--> ( 1 ) - الإتقان ، ج 1 ، ص 65 - 66 . ( 2 ) - راجع : لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ، ج 2 ، ص 142 ؛ والدرّ المنثور ، ج 6 ، ص 401 . ( 3 ) - أسد الغابة ، ج 1 ، ص 127 .