الشيخ محمد هادي معرفة

92

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

يستمعون إلى كلامه ، لأنّ هذا كلّه يقتضي تحيّزا في جانبه تعالى ، ويستدعي عدم التنزيه المطلق اللائق بشأنه جلّ شأنه . ولأنّ الملائكة مهما ارتقوا فلايكونون أعلى من الروح الإنساني التي هي من روح اللّه نفسه ، فمثلهم ومثلها سواء . وبهذه النظريّة حاولوا حلّ ما عسى أن يصادفوه في بعض الكتب السماويّة من أنواع المعارف المناقضة للعلم الصحيح طبيعيّا وإلهيّا . فهم لا يقولون بأنّ تلك الكتب قد حرّفت عن أصلها الصحيح النازل من عند اللّه ، ولكنّهم يقولون بأنّ الشخصيّة الباطنة لكلّ رسول إنّما تؤتي صاحبها بالمعلومات على قدر درجة تجلّيها وعبقريّتها ، وعلى قدر استعداده لقبول آثارها ومن ثمّ قد تختلط معارفها العالية بمعارف باطلة آتية من قبل شخصيّته العاديّة ، فيقع في الوحي خلط كثير بين الغثّ والسمين ، فترى بجانب الأُصول العالية التي لم يعرفها البشر إلى ذلك الحين ، اصولًا أخرى عاميّةً اصطلح عليها الناس إلى ذلك الزمان . « 1 » وبعد : فإذا ما أخضعتهم الحقيقة العلميّة ، على طريقة تجريبيّة قاطعة ، بأنّ وجود الإنسان الحقيقيّ هو شخصيّته الثانية القابعة وراء هذا الجسد ، وأنّه يبقى خالدا بعد فناء الجسد ، فما عساهم امتنعوا من الاعتراف بحقيقة الوحي كما هي عند المسلمين ؟ ! لاشكّ أنّماوصلوا إليه خطوة كبيرة نحو الواقعيّة ، لانزال نقدّرها تقديرا علميّا ، لكنّها بلاموجب توقّفت أثناء المسير ودون أن تنتهي إلى الشوط الأخير . إنّ منار العلم وضوء الحقيقة قد هدياهم إلى الدرب اللائح ، وكادوا يلمسون الحقيقة مكشوفة بعيان ، فوجدوا وراء هذا العالم عالما آخرا مليئا بالعقول . ووجدوا من واقع الإنسان شخصيّة أخرى وراء شخصيّته الظاهرة : فهاتان مقدّمتان أذعنوا لهما ، وقد أشرفتا بهم على الاستنتاج الصحيح وصاروا منه قاب قوسين أو أدنى ، لكنّهم بلاموجب توقّفوا ، وأنكروا حقيقة كانوا على وشك لمسها .

--> ( 1 ) - راجع : دائرة معارف القرن العشرين ، ج 10 ، ص 715 ، فيما نقله عن العلّامة « ميرس - myers » من كتابه « الشخصيّة الإنسانيّة » ، ص 77 فما بعد .