الشيخ محمد هادي معرفة
87
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ذرّات كياننا المادّي . وهذا دليل قاطع على وجود قوّة روحيّة فينا تدعى « النفس » يقيها جوهرها البسيط من التحوّلات والتقلّبات على المادّة الهيوليّة ، وفيها ينطبع ذكر الحوادث الماضية والعلوم التي اكتسبناها بإجهاد العقل والفكر . وقد يعترض البعض : بأنّ الخلايا المخيّة في تنقّلات ذرّاتها تدريجيا ، لعلّها تنقل ما عليها من صور ونقوش ذاكريّة ، إلى ذرّات مستجدّة ، كما تنتقل قسمات الوجه وألوان منطبعة على ظاهر الجسد ، وحتى الخال ، إلى ذرّات جديدة من البشرة ، ومن ثمّ يبقى شكل الجسد ولون الخال طول الحياة ، وبذلك يعلّل - أيضا - ظاهرة بقاء الذاكرة المنتقلة من ذرّات فانية إلى ذرّات مستجدّة في المخّ . لكن فات هذا المعترض : أنّ المنتقل من الصفات الباقية ، هي الطبيعيّة الناتجة من داخل الذات ، لاالعارضة التي طرأت من أحوال المحيط الخارج . مثلًا : لون الخال إنّما يبقى ، أي ينتقل من ذرّات فانية إلى ذرّات مستجدّة ، لأنّه طبيعيّ ذاتيّ ، فلا بدّ أنّ نفس الذرّات التي كانت تشكّل ظاهرة الخال في حالة سابقة ، أن تتبدّل وتتجدّد إلى ذرّات أُخرى تشكّل نفس الظاهرة أيضا . أمّا الصفات العارضة كاللون العارض من لفحة الشمس ، فإنّها تخصّ ذرّات الجسم المواجهة للعوامل الأُولى ، فإذا فنيت تلك الذرّات المواجهة تدريجيا ، فإنّ اللون العارض أيضا يذهب تدريجيا ، مالم تتجدّد تلك العوامل الأُولى . وعليه فإنّ التي تودعها ذرّات مخيّة فانية إلى ذرّات مستجدّة ، هي صفات ذاتيّة كقابلية الانطباع والانتقاش والتلقّي ، أمّا نفس الصّور والنقوش ، فبما أنّها صفات طارئة عليها ، وليست ذاتيّة ناتجة من داخل الطبيعة ، فلابدّ أن تذهب تدريجيا مع فناء ذرّات سابقة . ولاتعود باقية إلّا مع إعادة العوامل الأُولى . اللّهم إلّا أن نقول بأنّ النفس هي التي تكرّر بقاء الصّور على الذرّات المستجدّة ، وهذا يلتئم مع مطلوبنا في هذا البحث . ثالثا : منذ قرن ونيّف وجدت طريقة بحثيّة تؤيّد وجود النفس بنوع حسّي ، وهي