الشيخ محمد هادي معرفة

81

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وبكلمة جامعة : الإنسان يعرف ، والمعرفة في كيان الإنسان ظاهرة غير ماديّة ، في حين أنّ اللاماديّ لا يقوم بماديّ ، فأين محلّها من وجود الإنسان ؟ ونتيجة على ذلك نعترف - بالضرورة من بديهة العقل - أنّ وراء وجود هذا الإنسان الجسدي الظاهر ، وجودا آخر لامادّي ، هو « النفس » الذي تقوم به ظاهرة الإدراك ، ومجال النفس أوسع من المادّة بنسبة فائقة . وتوضيحا لهذا الجانب النفسي من ظاهرة الإدراك نقول : قد تنعكس في ذهنية الإنسان - عندما يواجه منظرا طبيعيا - صورة منطبقة مع الواقع تمام الانطباق في جميع أبعادها وسماتها ، من حركة ولون وزهور وأشجار ، وجبال وأنهار ، وأبعاد وأغوار . وتتجلّى هذه الصورة بنفس الأبعاد والسمات كلّما تذكّرها ، فيجدها حاضرة نفسه على مقاييسها الأُولى . . . تلك ظاهرة التذكّر ، فياترى أين محلّها الذي تقوم به ؟ وثانية نقول : الإنسان يجد صورة المنظر كلّما تذكّرها بنفس الأبعاد والمقاييس والحركات والألوان ، كأنّه يشاهدها الآن ، صورة طبق الواقع تماما ، إنّ هذه الصفحة التي تقع عليها هذه الصورة ، وتسمّى بصفحة الذهن صفحة ذات أبعاد توازي نفس أبعاد المنظر ، حسبما يجدها الإنسان حاضرة نفسه الآن . أين تقع هذه الصفحة المتّسعة من وجود الإنسان ؟ إنّ جزيئات المخ ، تنطبع عليها صور المحسوسات ، لكنّها في غاية الصغر . لاتتناسب والأبعاد التي يجدها الإنسان عند التذكّر . إنّنا لا ننكر وجود جزيئات مخيّة تحتفظ في نفسها صور المشاهدات ، لكن ذلك وحده ليس إدراكا ولاتذكّرا لأنّ هذه الصّور موجودة ، وهي مستمرّة في وجودها حتى مع الغفلة ، وتتجلّى مع التذكّر وعند التفات النفس . وهو إدراك متجدّد للصورة بعد أن كان إدراكا لذات الصورة . لعلّك تقول ، إنّ تلك الصّور المنطبعة على جزيئات المخّ قد تبدو للنفس وقد تخفى