الشيخ محمد هادي معرفة

53

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وهي لطيفة بديعة تحسن في الخطاب لاثبت الكتاب ! وهذا نظير ما حكاه سبحانه عن عزيز مصر ، خطابا مع يوسف ويلتفت لفوره إلى امرأته يؤنّبها : « يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا . وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ » . « 1 » الأمر الذي يصحّ حال المواجهة بالكلام شفاها لا غير . وفي سورة الحمد ، تبتديء بتمجيد اللّه سبحانه غيابا ، ثُمَّ يتحوّل الكلام إلى مسائلته تعالى خطابا . وهو من بديع الالتفات بيّنّاه في التفسير . وفي سورة عبس تبتديء بالعتاب غيابا « عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى » . ثمّ مواجهةً خطابا مع الرسول « وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى . . . » . « 2 » وفي سورة الأنفال : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ . قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ » . كلام عن المؤمنين غيابا في خطاب مع النبيّ . وفجأة يتوجّه الخطاب مع المؤمنين : « فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ . . . » . « 3 » وما ذلك إلّا لكونه في صياغة خطاب . وفي سورة الأعراف : « يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً . ذلِكَ خَيْرٌ ، ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ » نراه تعالى يواجه بنيآدم في الخطاب معهم مشافهةً ويكتمل كلامه وكأنّه يتكلّم عن غائبين . ثُمَّ يكرّ عليهم راجعا ليخاطبهم بقوله : « يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ . . . » . « 4 » كان الخطاب أوّلًا مع بنيآدم بالمواجهة . ثُمَّ صُرف الكلام إلى بيان الحكمة من غير مواجهة لأحد . ثُمَّ رجع إلى ما كان عليه أوّلًا من الوعظ والإرشاد والتحذير والإنذار . 3 - مراعاة الرويّ من مزايا السجع في الكلام مراعاة الرويّ إذا لوحظ منطوقا لا مكتوبا . وفي القرآن كثير من التسجيع على حساب النطق بالكلام لاثبته محض كتاب .

--> ( 1 ) - يوسف 29 : 12 . ( 2 ) - عبس 1 : 80 - 3 . ( 3 ) - الأنفال 1 : 8 . ( 4 ) - الأعراف 26 : 7 - 27 .