الشيخ محمد هادي معرفة

50

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

« وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً » « 1 » يؤكّد على أنّ اللّه تعالى كان يكلّمه بنفس هذا الكلام المعهود ، وأنّه حقيقة الكلام وليس عن مجاز أو استعارة . وإلّا لم يصحّ هذا التأكيد ( بالمفعول المطلق ) . ويحمل قول معمّر على أنّ الكلام المسموع من أيّ شيء إنّما خَلَقه اللّه فيه ليسمع منه ، لا أنّه من صنع ذلك الشيء . فإن سُمع من الهواء فهو فعل الهواء أي صادر منه وإن كان بخلقه تعالى فيه . وهكذا إذا سُمع من شجرة . أمّا الصادر عن إنسان مثل النبيّ صلى الله عليه وآله فهو بإلهام منه تعالى عليه ، فهو أيضا صنيعه تعالى وليس من صنع النبيّ نفسه . صياغة القرآن صياغة خطاب لاصياغة كتاب من مميّزات صياغة الكتاب هوالانسجام التامّ من بدء الكلام إلى الختام ، فما من مقال في صحيفة أو رسالة في كتاب أو تصنيف أو تأليف إلّا ويكون منتظما على نضد ورصف منسجم وملتئم بعضه مع بعض كالتئام حلقات السلسلة متماسكة بعضها مع بعض ويعبّر عنه بالتناسق في الكلام . الأمر الذي يفقده المقال إذا كان في خطاب حيث لايتقيّد المتكلّم فيه بمراعاة التناسق ، لا اللفظي فقط بل وحتى المعنوي ، فقد ينتقل في كلامه من موضوع إلى موضوع آخر بمناسبة يراعيها حال الخطاب ، حتى ولو لم يكن بين المواضيع التي تعرّض لها ذلك الربط الوثيق . الأمر الذي نجده في القرآن كثيرا . فهذا الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغياب ، وكذا التنوّع في الضمائر واختلافها مع المراجع وهكذا أسماء الإشارات أو من الظاهر إلى ضمير الخطاب وما شاكل ليس إلّا لكونه منساقا على أسلوب الخطابة لا الكتابة ، وإلّا لم يصحّ ذلك التنقّل الفجائي والتبدّل من حال إلى حال ! ومن ثَمَّ جاز النطق بجمل معترضة أثناء الكلام إذا كان خطابا لاكتابا . وإليك من ميزات الخطاب نجدها في القرآن الكريم :

--> ( 1 ) - النساء 164 : 4 .