الشيخ محمد هادي معرفة

321

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وقرأ : « وَأَنْذِرْ عَشيرتكَ الأَقْرَبينَ [ ورهطك منهم المخلصين ] » . « 1 » وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أنّه قال : كنّا نقرأ على عهد رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك [ أنّ عليّا مولى المؤمنين ] وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ » . « 2 » والظاهر : أنّه أراد تفسير الآية ، وأنّها كانت على عهده صلى الله عليه وآله هكذا تفسّر . وقرأ : « بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ » - بضمّ التاء - « 3 » والقراءة المشهورة هي بالفتح . وأنكر ذلك شريح وقال : إنّ اللّه لا يعجب ، إنّما يعجب من لاعلم له . قال الأعمش : فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال : إنّ شريحا كان معجبا برأيه ، إنّ عبداللّه قرأ « بل عجبتُ » بالضمّ ، وعبداللّه أعلم من شريح . وإضافة العجب إلى اللّه وردّ الخبر به كقوله : عجب ربّكم من شابّ ليس له صبوة . وعجب ربّكم من إلّكم وقنوطكم . ويكون ذلك على وجهين : عجب ممّا يرضى . ومعناه : الاستحسان والخبر عن تمام الرضا . وعجب ممّا يكره ، ومعناه : الإنكار له والذمّ . « 4 » والإلّ - بكسر الهمزة وتشديد اللام : شدّة اليأس أو رفع الصوت بالبكاء على إثره . وصحّحنا الحديث على نهاية ابن الأثير . وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف يجوز العجب على اللّه وإنّما هو روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء واللّه تعالى لا يجوز عليه الروعة ؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما : أن يجرّد العجب لمعنى الاستعظام . والثاني : أن يتخيّل العجب ويفرض . وقد جاء في الحديث : « عجب ربّكم من إلّكم وقنوطكم وسرعة إجابته إيّاكم » . « 5 » وقد أوردنا هذا البحث هنا كنموذج هو دليل على مبلغ اهتمام المفسّرين واعتناء الأئمّة بقراءات ابن مسعود الرجل العظيم .

--> ( 1 ) - الشعراء 214 : 26 . راجع : مجمع البيان ، ج 7 ، ص 206 ؛ وبحارالأنوار ، ج 18 ، ص 164 . ( 2 ) - المائدة 67 : 5 . راجع : الدرّ المنثور ، ج 2 ، ص 298 وج 3 ، ص 117 دارالفكر . ( 3 ) - الصافات 12 : 37 . راجع : الكشاف ، ج 4 ، ص 38 ؛ وجامع البيان ، ج 23 ، ص 29 . ( 4 ) - مجمع البيان ، ج 8 ، ص 440 . ( 5 ) - الكشاف ، ج 4 ، ص 37 .