الشيخ محمد هادي معرفة

319

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

( ملحوظة ) : قد يأخذ البعض من هذا الاختلاف في قراءة النصّ القرآني ذريعة للطعن عليه ، كما جاء في كلام المستشرق الألماني العلّامة « جولد تسيهر » في كتابه : مذاهب التفسير الإسلامي ، الذي وضعه لهذا الغرض . لكنّها محاولة فاشلة بعد أن علمنا أنّ الاختلاف كان في مجرّد القراءة خارج النصّ الثابت في المصحف . فالنصّ القرآني شيء لم يختلف فيه اثنان ، وهو المثبت في المصحف الشريف منذ العهد الأوّل الإسلامي حتى العصر الحاضر ، ومن ثمّ لم يمسّوه حتى لإصلاح أخطائه الإملائيّة . تحفّظا على نصّ الوحي يبقي بلاتحوير . نعم جاءت قضيّة مراعاة جانب التسهيل على الأُمّة ، من بعض السلف ، لتجوّز القراءة بأيّ نحو كانت ، ما دامت تؤدّي نفس المعنى الأصلي من غير تحريف فيه . الأمر الذي يكون خارج النّص المثبت قطعيّا . ومن ثمّ أجاز ابن‌مسعود أن ينطق ذلك الأعجمي بدل طعام الأثيم بطعام الفاجر . « 1 » فاستبدل من النّص الصعب التلفّظ بالنسبة إليه ، لفظا أسهل . . . لكنّه لم يثبته فيالمصحف كنّص قرآني . ولم يكن ذلك منه تجويز التبديل في نصّ الوحي . . حاشاه ! وهكذا كان تجويز عائشة لذلك العراقي : ومايضرّك أيّه قرأت . « 2 » توسعة في مقام القراءة فقط ، لاتوسعة في ثبت النصّ القرآني الذي هو وحي السماء ، في المصحف ، ولاشكّ أنّ مصحفها كان ذا ثبت واحد قطعا . جهة سادسة : ربّما كان ابن مسعود يزيد في لفظ النّص زيادات تفسيريّة كانت أشبه بتعليقات إيضاحيّة أدرجت ضمن النّص الأصليّ . وهذا أيضا كان مبنيّا على مذهبه : التوسعة في اللفظ ، لغرض الإيضاح ، مع التحفّظ على نفس المعنى الأصيل . وهكذا اعتبر أئمّة الفنّ هذه الزيادات في قراءة ابن مسعود تفسيرات . ولم يعتبروها نصّا قرآنيا منسوبا إلى ابن مسعود ، ليكون اختلاف بين السلف في نصّ الوحي . . !

--> ( 1 ) - تقدم ذلك في « وصف مصحف ابن مسعود ، الجهة الخامسة » . ( 2 ) - راجع : صحيح البخاري ، ج 6 ، ص 228 .