الشيخ محمد هادي معرفة

301

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

شيئا من القرآن فليأت به » . وألّف لجنة من خمسة وعشرين عضوا - كما جاء في رواية اليعقوبي - « 1 » وكان عمر يشرف عليهم بنفسه . وكان اجتماعهم على باب المسجد يوميّا ، والناس يأتونهم بآي القرآن وسوره كلٌّ حسب ما عنده من القرآن . وكانوا لا يقبلون من أحد شيئا حتى يأتي بشاهدين يشهدان بصحّة ما عنده من قرآن . سوى خزيمة بن ثابت ، أتى بالآيتين آخر سورة براءة ، فقبلوهما منه من غير استشهاد ، لأنّ رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله اعتبر شهادته وحده شهادتين . « 2 » قال زيد : ووجدت آخر سورة براءة مع [ أبي ] خزيمة الأنصاري لم أجده مع أحد غيره . « 3 » وسنتكلّم عمّا جاء بين المعقوفتين . ومن غريب الأمر : أنّ عمر جاء بآية الرجم وزعمها من القرآن : « الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من اللّه » لكنّه واجه بالرفض ، ولم تقبل منه ، لأنّه لم يستطع أن يقيم على ذلك شاهدين « 4 » وبقي أثر ذلك في نفس عمر ، فكان يقول - أيام خلافته - : لولا أن يقول الناس : زاد عمر في كتاب اللّه لكتبتها بيدي - يعني آية الرجم . « 5 » ثمّ أنّ زيدا لم ينظّم سور القرآن ولم يرتّبهنّ كمصحف ، وإنّما جمع القرآن في صحف ، أي أودع الآيات والسور في صحف وجعلها في ملفّ ، فكان جمعا عن التفرقة والضياع ، ومن ثمّ لم يسمّ جمعه مصحفا . قال المحاسبي : كان القرآن مفرّقا في الرقاع والأكتاف والعسب وإنّما أمر الصدّيق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعا ، وكان ذلك بمنزلة أوراق فيها القرآن منتشرا ، فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء . « 6 »

--> ( 1 ) - تاريخ اليعقوبي ، ج 2 ، ص 125 . ( 2 ) - راجع : اسدالغابة ، ج 2 ، ص 114 ؛ والمصاحف ، ص 6 - 9 . ( 3 ) - صحيح البخاري ، ج 6 ، ص 226 . ( 4 ) - الإتقان ، ج 1 ، ص 167 - 168 . ( 5 ) - تفسير ابن‌كثير ، ج 3 ، ص 261 ؛ والبرهان للزركشي ، ج 2 ، ص 35 ؛ والإتقان : ج 2 ، ص 26 . ( 6 ) - الإتقان ، ج 1 ، ص 168 .