الشيخ محمد هادي معرفة

299

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وأتى به إلى القوم فرفضوه . قال : وما يمنعك - يرحمك اللّه - أن تخرج كتاب اللّه إلى الناس ؟ ! فكفّ عليه السلام عن الجواب أوّلا ، فكرّر طلحة السؤال ، فقال : لا أراك يا أبا الحسن أجبتني عمّا سألتك من أمر القرآن ألا تظهره للناس ؟ قال عليه السلام : يا طلحة عمدا كففت عن جوابك . فأخبرني عمّا كتبه القوم أقرآن كلّه أم فيه ما ليس بقرآن ؟ قال طلحة : بل قرآن كلّه . قال عليه السلام : إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار ودخلتم الجنّة . . قال طلحة : حسبي أمّا إذا كان قرآنا فحسبي . « 1 » هكذا حرص الإمام وأوصياؤه عليه السلام على حفظ وحدة الأُمَّة فلاتختلف بعد اجتماعها على ما هو قرآن كلّه . جمع زيد بن ثابت كان ذاك الرفض القاسي لمصحف علي عليه السلام يستدعي التفكير في القيام بمهمّة جمع القرآن مهما كلّف الأمر ، بعد أن أحسّ الناس بضرورة جمع القرآن في مكان ، ولاسيّما كانت وصيّة نبيّهم صلى الله عليه وآله بجمعه لئلا يضيع ، كما ضيّعت اليهود توراتهم . « 2 » هذا والقرآن هو المرجع الأوّل للتشريع الإسلامي ، والأساس الركين لبناية صرح الحياة الاجتماعيّة في كافّة شؤونها المختلفة آنذاك ، ولايصحّ أن يبقى مفرّقا على العسب واللخاف أوفي صدور الرجال ، ولاسيّما وقد استحرّ القتل بكثير من حامليه ، ويوشك أن يذهب القرآن بذهاب حامليه ، فقد قتل منهم سبعون في واقعة اليمامة ، وفي رواية : أربعمائة . « 3 » وهذه الفكرة أبداها عمر بن‌الخطاب ، واقترح على أبي بكر - وهو وليّ المسلمين يوم

--> ( 1 ) - سليم بن‌قيس ، ص 124 ؛ وبحارالأنوار ، ج 92 ، ص 42 ، ح 1 . ( 2 ) - تفسير القمي ، ج 2 ، ص 451 ؛ وبحار الأنوار ، ج 92 ، ص 48 ، ح 7 . ( 3 ) - فتح الباري ، ج 7 ، ص 447 ؛ وفي تاريخ الطبري ، ج 3 ، ص 296 : قتل من المهاجرين والأنصار من قصبة المدينة يومئذ ثلاثمائة وستون ومن المهاجرين من غير أهل المدينة ثلاثمائة ومن التابعين ثلاثمائة ، وفي كتاب أبي بكر إلى خالد ص 300 : دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجفّف بعد . . .