الشيخ محمد هادي معرفة
290
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وحديث ستّة أو أربعة جمعوا القرآن على عهده صلى الله عليه وآله فمعناه : الحفظ عن ظهر القلب ، حفظوا جميع الآيات النازلة لحدّ ذاك الوقت ، أمّا الدلالة على وجود نظم كان بين سُوَره فلا . وأمّا حديث التحدّي فكان بنفس الآيات والسور ، وكلّ آيةٍ أو سورةٍ قرآنٌ ، ولم يكن التحدّي يوما مّا بالترتيب القائم بين السور ، كي يتوجّه الاستدلال المذكور ! على أنّ التحدّي وقع في سور مكّية أيضا ، « 1 » ولم يجمع القرآن قبل الهجرة قطعيّا . واهتمام النبيّ صلى الله عليه وآله بشأن القرآن ، شيء لا ينكر ، ومن ثَمَّ كان حريصا على ثبت الآيات ضمن سورها فور نزولها ، وقد حصل النظم بين آيات كلّ سورةٍ في حياته صلى الله عليه وآله أمّا جمع السور بين دفّتين وترتيبها كمصحف موحّد ، فلم يحصل حينذاك ، نظرا لترقّب نزول قرآن عليه ، فمالم ينقطع الوحي لايصحّ جمع القرآن بين دفّتين ككتاب . ومن ثمّ لمّا أيقن بانقطاع الوحي بوفاته صلى الله عليه وآله ، أوصى إلى علي عليه السلام بجمعه . ومعنى تواتر النّص القرآنيّ : هو القعطع بكونه قرآنا ، الأمر الذي كان يحصل بإخبار جماعة وشهادة آخرين بأنّه قرآن ولاسيّما من الصحابة الأوّلين ، الأمر الذي كان قد التزمه زيد في الجمع الأوّل كما يأتي . وليس التواتر - هنا - بمعناه المصطلح عند المتأخرين . وأمّا استلزام تأخّر الجمع تحريفا في كتاب اللّه ، فهو احتمال مجرّد لاسند له بعد معرفتنا بضبط الجامعين وقرب عهدهم بنزول الآيات وشدّة احتياطهم على الوحي بما لا يدع مجالًا لتسرّب احتمال زيادة أو نقصان . وأخيرا فإنّ قولة البعض الأخيرة ، فهي لا تعدو خيالًا فارغا ، إذ لا مناسبة ذاتيّة بين كلّ سورة وسابقتها أو تاليتها ، سوى ما زعمه بعض المفسّرين المتكلّفين ، وهو تمحّل باطل بعد إجماع الامّة على أنّ ترتيب السور كان على خلاف ترتيب النزول بلاشكّ . وقد تقدّم حديث الفساطيط المضروبة لتعليم القرآن على خلاف الترتيب المألوف . « 2 »
--> ( 1 ) - يونس 38 : 10 ؛ وهود 13 : 11 ؛ والإسراء 88 : 17 . وهنّ مكّيات . ( 2 ) - الإرشاد للمفيد : ص 386 ؛ وبحار الأنوار ، ج 52 ، ص 339 ، ح 85 .