الشيخ محمد هادي معرفة
270
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ومن ثمّ قال الإمام أبو جعفر - بعد أن تلا الآية - : « نحن نعلمه » أي التأويل « 1 » وفي رواية أخرى : « تعرفه الأئمّة » . « 2 » قال تعالى : « وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ » . « 3 » هذه الآية نموذج من الآيات ذوات الوجهين ، لها تنزيل ولها تأويل ، ظهر وبطن ، وإنّما يعلم سرّها الكامن العامّ أولوا البصائر في الدين الأئمّة المعصومون عليهمالسلام . هذه الآية تبدو - في ظاهرها - متعارضة مع آيات توجب التوجّه في الصلاة شطر المسجد الحرام . « 4 » ولكن مع ملاحظة سبب النزول ، وإنّه دفع لشبهة اليهود ورفع لارتيابهم في تحويل القبلة ، يتبيّن أن لامعارضة ، ويرتفع الإبهام عن وجه الآية . ذلك أنّ الاستقبال في الصلاة والعبادات أمر اعتباري محض ، ينوط باعتبار صاحب الشريعة في مصالح يراها مقتضية حسب الأحوال والأوضاع ، وليس وجه اللّه محصورا في زاوية القدس الشريف أو الكعبة المكرّمة . وبذلك تنحلّ مشكلة الآية وترتفع إبهامها ، وأن ليس ترخيصا في الاتجاه بسائر الجهات . هذا . . وقد فهم الأئمة عليهمالسلام أمرا آخر أيضا ، استخرجوه من باطن الآية ، حيث تأويلها المستمرّ . وأنّها تعني جواز التطوّع بالنوافل إلى حيث توجَّهت به راحلتك ، أو اشتبهت القبلة ، فتصلّي إلى أيّ الجهات شئت . هكذا وجدنا صراحة الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام . « 5 » قال سيّدنا الطباطبائي قدس سره : إنّك إذا تصفّحت كلمات الأئمة عليهمالسلام في عموم القرآن وخصوصه ، ومطلقه ومقيّده ، لوجدت كثيرا ما ، استفادة حكم من عموم الآية ، ثمّ استفادة
--> ( 1 ) - بصائر الدرجات ، ص 196 ، ح 7 . ( 2 ) - المصدر ، ح 8 . ( 3 ) - البقرة 115 : 2 . ( 4 ) - البقرة 144 : 2 و 149 و 150 . ( 5 ) - راجع : وسائل الشيعة ، باب 8 و 15 من أبواب القبلة ، ج 3 ، ص 225 و 239 ؛ وتفسير العياشي ، ج 1 ، ص 56 - 57 .