الشيخ محمد هادي معرفة
266
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
أمثل من لا يعرف الأبّ من القتّ « 1 » ويجهل الكثير من الآداب والسنن « 2 » يقوم بتأنيب ناموس الشريعة وصميم العربيّة الفصحاء ؟ ! إنْ هذا إِلّا وهم ناشئ عن عصبيّة عمياء أعاذنا اللّه منها ! وبعد . . فإذ قد عرفت قيمة ما اسند من روايات أسباب النزول الواردة في أهمّ الكتب الحديثيّة ، فكيف بالمقطوع والمرسل والمجهول . الأمر الذي ينبؤك عن أصالة مالدينا من صحاح الروايات في هذا الباب . وقد صحّ كلام الإمام أحمد : ثلاثة ليس لها أصل معتمد : المغازي والملاحم والتفسير . هذا السيوطي يخرّج لقوله تعالى : « فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ » « 3 » خمسة أوجه : الأوّل : إنّه في تحويل القبلة وارتياب اليهود في ذلك . عن ابنجرير وابن أبيحاتم من طريق علي بن أبيطلحة عن ابنعباس . الثاني : أن تصلّي حيثما توجّهت به راحلتك . أخرجه الحاكم وغيره عن ابن عمر . الثالث : إنّه كان في سفر ليلة ظلماء فصلّى كلّ رجل على حياله لا يدرون أين وجه القبلة . أخرجه الترمذي من حديث عامر بنربيعة . وكذا الدارقطني من حديث جابر . الرابع : لمّا نزلت « ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ » « 4 » قالوا : إلى أين ؟ فنزلت . أخرجه ابن جرير عن مجاهد . الخامس : عن قتادة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال : إنّ أخا لكم قد مات فصلّوا عليه ، فقالوا : إنّه كان لايصلّي إلى القبلة . . فنزلت . . قال السيوطي - تعقيبا على ذلك - : فهذه خمسة أسباب مختلفة ، وأضعفها الأخير
--> ( 1 ) - أخرج الطبري في التفسير ، ج 30 ، ص 38 ، عن أنس قال : قرأ عمر سورة عبس ، فلمّا أتى على هذه الآية « وَفاكِهَةً وَأَبًّا » قال : عرفنا الفاكهة فما الأبّ ؟ . . ثمّ قال : إنّ هذا لهو التكلّف ! . وأورده ابنكثير في تفسيره : ج 4 ، ص 473 ، وصحّحه . . . ثمّ تعجّب من عدم فهم عمر معنى الأبّ ، لأنّ الكلّ يعلم أنّه من نبات الأرض ممّا يقتات به البهائم لقوله تعالى بعد ذلك « مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ » فالأبّ علف الدوابّ كالقتّ . ( 2 ) - راجع : نوادر الأثر في علم عمر : الغدير ، ج 6 ، ص 83 . ( 3 ) - البقرة 115 : 2 . ( 4 ) - غافر 60 : 40 .