الشيخ محمد هادي معرفة
241
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الأصبهاني . « 1 » لكن الآيتين تصبير للنبيّ صلى الله عليه وآله تجاه أذى المشركين ، وتوعيد بهم ، فهما من آيات الصفح المكّية ، ولا وجه لعدّهما مدنيّتين . وحكى ابن الغرس استثناء قوله : « إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ ( إلى قوله : ) إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . « 2 » قال جلالالدين : ويردّه ما أخرجه الحاكم : أنّه نزل بعد نزول صدرالسورة بسنة ، وذلك حين فرض قيام الليل في أوّل الإسلام قبل فرض الصلوات الخمس « 3 » وهكذا أخرج عبد بنحميد عن عكرمة ، قال : لبث المسلمون بعد نزول : « يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ . . . » سنة فشقّ عليهم وتورّمت أقدامهم ، حتى نسختها آخر السورة : « فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ » . « 4 » قلت : تمسّك القائل بمدنيّة الآية ، بأنّ الصلاة والزكاة لم تفرضا بمكة « 5 » هو استدلال غريب ، لأنّ الصلاة هي أولى فريضة فرضت بمكة « 6 » أمّا الزكاة فليست هي الزكاة المفروضة بحدود وأنصبة مقرّرة ، وإنّما هي مطلق التصدّق الذي كان واجبا حينذاك ، كما في قوله تعالى : « وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ » « 7 » وقوله : « الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ » . « 8 » نعم جاءت تفاصيل حدودها وأحكامها بالمدينة ، أمّا أصلها فكانت واجبة بمكة بلا شك . وليته تمسّك بقوله : « وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » والقتال لميشرّع أصلا إِلّا بالمدينة . لكنّه على تقدير أن يراد بالقتال : هو ما يقع فعليّا ، لاما سيفرض وسيقع بعد ذلك ! والاحتمال الثاني أوجه ، نظرا إلى أنّه تعالى - في هذه الآية - يذكر أسباب رفع ذلك التكليف الأوّل الشديد وتبديله إلى تكليف آخر خفيف . ومن تلك الأسباب تشريع القتال بعدئذ ، من غير أن يكون هنا دليل صريح على إرادة فعليّته حينذاك .
--> ( 1 ) - الإتقان ، ج 1 ، ص 46 . ( 2 ) - المزّمّل 20 : 73 . ( 3 ) - الإتقان ، ج 1 ، ص 46 . ( 4 ) - الدرّ المنثور ، ج 6 ، ص 280 . ( 5 ) - مجمع البيان ، ج 10 ، ص 382 . ( 6 ) - راجع : السيرة لابن هشام ، ج 1 ، ص 259 . ( 7 ) - المؤمنون 4 : 23 ( 8 ) - فصّلت 7 : 41 .