الشيخ محمد هادي معرفة

213

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

حديث « منهال بن عمرو » بالشام - أيضا - عن علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام في قوله تعالى : « ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ » . « 1 » وأهل القرى : هم بنوقريظة وبنوالنضير . والقرى ، هي : فدك وخيبر وعرينة وينبع ، أصبحت غنائم في يد المسلمين . وقد نزلت الآية بشأنها حينذاك . « 2 » فلوصحّ أنّ جبرائيل عليه السلام جاء بالآية الأُولى أيضا ، فهو تذكير للنبيّ صلى الله عليه وآله بحكم سابق ، وتأكيد لحكم حاضر . هذا إذا لم يكن الراوي قد اشتبهت عليه إحدى الآيتين بالأُخرى ! الآية الثانية : قوله تعالى : « وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا » . « 3 » الآية الثالثة : قوله تعالى : « وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ » . « 4 » والقائل باستثناء هاتين الآيتين لم يعلّل استثناءه بشيء . « 5 » ولعلّه نظر إلى ظاهر تشريع حرمة الزنا وقتل النفس ، حيث كان تشريع الأحكام بالمدينة ! لكن فاته أنّ تحديدات الحدود وتفاصيل الأحكام جاءت بالمدينة ، أمّا أسس الشريعة وكلّيات الأحكام في صورها الإجمالية فقد جاءت في سور مكّية وبمكة كثيرا . وهاتان الآيتان جاءتا بمكة على نفس النمط . قال السدّي : آية : « وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى » نزلت يوم لم تكن حدود . فجاءت بعد ذلك في سورة النور - وهي مدنيّة - . « 6 » وقال الضحّاك في آية القتل : كان هذا بمكة ، والنبيّ صلى الله عليه وآله بها . وهو أوّل شيء نزل من القرآن في شأن القتل ، كان المشركون يغتالون أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله يومذاك ، فهمّ أصحابه صلى الله عليه وآله أن يفعلوا بهم مثل ذلك ، فقال جلّ ثناؤه : من قتلكم فلايحملنّكم عمله على أن تقتلوا أباه أو أخاه أو أحدا من المشركين ، كما كانت العادة الجاهليّة جارية

--> ( 1 ) - الحشر المدنيّة 7 : 59 . ( 2 ) - مجمع البيان ، ج 9 ، ص 260 - 261 ؛ وجاء في الدرّ المنثور ، ج 6 ، ص 189 إشارة . ( 3 ) - الإسراء 32 : 17 . ( 4 ) - الإسراء 33 : 17 . ( 5 ) - تاريخ القرآن لأبيعبداللّه الزنجاني ، ص 28 . ( 6 ) - الدرّ المنثور ، ج 4 ، ص 179 .