الشيخ محمد هادي معرفة

211

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الثاني : أنّها نزلت يوم الفتح ، فهمّ المسلمون أن يقعوا في المشركين ، ويقتلوهم شرّ قتلة ، تشفّيا بما كانوا فعلوا بهم يوم أحد : كان قد أصيب من الأنصار يومذاك أربعة وستون . ومن المهاجرين ستة منهم حمزة بن عبد المطلب ، وقد مثّل بهم المشركون ! فقالت الأنصار : لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم ، فلمّا كان يوم فتح مكة ، وأمكن اللّه المسلمين من المشركين ، نزلت الآية للأخذ من حدّة المسلمين ، وأن لايتجاوزوا حدود ما أنزل اللّه ! الثالث : أنّها عامّة في كلّ ظلم ، يحاول المظلوم الانتقام من الظالم ، بعد ما يمكّنه اللّه منه . وهذه الآية جاءت مزيجة بين الانتقام العادل والصفح الجميل ، الأمر الذي يتناسب مع حالة المسلمين يوم كانوا بمكة . ومن ثمّ قالوا : إنّها منسوخة بآية القتال . وهي نظيرة قوله تعالى : « وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ » وقوله : « فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ » « 1 » نزلت أوائل عهد المسلمين بالمدينة . وهذا الرأي الأخير هو الصحيح ، نظرا إلى سياق الآية نفسها ، ومناسبتها الوثيقة مع آيات قبلها وبعدها : قال تعالى : « ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . . » . « وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ . . . » . « وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ » . « 2 » وهذه الآية جاءت تصبّر النبيّ صلى الله عليه وآله على أذى المشركين وتسلّيه عن حزنه عليهم لاحزنه منهم ، وهو دليل على أنّ الآية نزلت يوم كان المشركون صمودا تجاه دعاء النبيّ صلى الله عليه وآله ومتعرّضين أذاه . وكانت نفوس مؤمنة تأبى تحمّل الضيم ، وتحاول الانتقام منهم مهما كلّف الأمر . « 3 »

--> ( 1 ) - البقرة 190 : 2 و 191 . ( 2 ) - النحل 125 : 16 و 126 و 127 . ( 3 ) - راجع : مجمع البيان ، ج 6 ، ص 393 ؛ والدرّ المنثور ، ج 4 ، ص 135 .