الشيخ محمد هادي معرفة

182

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

مسامع النفس . لكن ليس هذا وحده دليلًا على مكّيتها بعد أن لم يكن ميزة اختصاصيّة ، وكانت توجد في سور مدنيّة أيضا ، كما في سورة الزلزلة وسورة البيّنة وسورة الإنسان وغيرهنّ . وكثير من سور مكّية جاءت في لهجة هادئة كسورة يوسف ويونس وهود والأنعام والأعراف وغيرهنّ كثير . وأمّا حديث الجنّ فلا دليل على أنّه كان بمكة ، إذ لا ملازمة بين هذا الحديث وحديث نزول سورة الجنّ بمكة ، فلعلّها قصة أخرى كانت بالمدينة . وأمّا حديث أسماء - إن صحّ - فهو يدلّ على نزولها في باكورة البعثة ، ولا قائل بذلك لأنّها قالت : قبل أن يصدع بالأمر . هذا فضلًا عن ضعف إسناد هذا الحديث - كما جاء في المسند - بسبب وجود ابن لهيعة قاضي مصر ، في طريقه ، وهو مطعون فيه ، فقد ضعّفه ابن‌معين وقال : لايحتّج بحديثه . وكان يحيى بن سعيد لا يراه شيئا . « 1 » وأخيرا فإنّ هكذا تعليلات ضعيفة لا تقاوم روايات الترتيب المتفق عليها . « 2 » 12 - سورة الحديد قال قوم : إنّها مكّية « 3 » استنادا إلى حديث إِسلام عمر بن الخطاب ، دخل على أُخته فوجد عندها صحيفة فيها سورة الحديد ، فقرأها حتى بلغ : « إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » « 4 » فحبّب إليه الإسلام فأتى النبيّ صلى الله عليه وآله وأسلم على يديه . « 5 » وهذا الحديث معارض بحديث ابن إسحاق : كانت في الصحيفة سورة طه ، فقرأها حتى انتهى إلى قوله تعالى : « لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى » . « 6 » وقيل إِنَّ الصحيفة كان فيها مع سورة طه : « إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ » . وإِنَّ عمر انتهى في قراءتها إلى قوله : « عَلِمَتْ نَفْسٌ ما

--> ( 1 ) - راجع : ميزان الاعتدال ، ج 2 ، ص 475 ؛ وتهذيب التهذيب ، ج 5 ، ص 374 . ( 2 ) - راجع : مجمع البيان ، ج 10 ، ص 405 ؛ والإتقان ، ج 1 ، ص 27 و 72 . ( 3 ) - قال ابن‌حزم : هي مدنيّة إِلّا في قول الكلبي : إنّها مكّية . راجع : رسالة الناسخ والمنسوخ ، ج 2 ، ص 197 . ( 4 ) - الحديد 8 : 57 . ( 5 ) - أُسدالغابة ، ج 4 ، ص 54 . ( 6 ) - طه 15 : 20 .