الشيخ محمد هادي معرفة
155
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
إنزال وتنزيل وممّا تعلّق به أصحاب القول بنزول القرآن مرّتين : دفعيّة وتدريجيّة ، هوالفرق بين التعبيرين ( إنزال وتنزيل ) بشأن نزول القرآن : قالوا : متى جاء التعبير بإنزال القرآن فالمراد نزوله الدفعي ، كما في قوله تعالى : « شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ » . « 1 » وقوله : « إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ » . « 2 » و « إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ » . « 3 » أمّا التعبير بالتنزيل فيعني نزوله التدريجي : « وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا » . « 4 » قال الزمخشري - في قوله تعالى : « نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ » « 5 » - : لِمَ قال بشأن الكتاب : نزّل . وبشأن التوراة والإنجيل : أنزل ؟ فأجاب : لأنّ القرآن نزل منجّما ونزل الكتابان جملةً ! « 6 » وقال الراغب : والفرق بين الإنزال والتنزيل في وصف القرآن والملائكة : أنّ التنزيل يختصّ بالموضع الذي يشير إليه إنزاله مفرّقا ومرّةً بعد أُخرى ، والإنزال عامّ . قال - في الآيات الثلاث الأُولى - : وإنّما خصّ لفظ الإنزال دون التنزيل ، لما روي أنّ القرآن نزل دفْعَةً واحدة إلى سماء الدنيا ، ثُمَّ نزل نجما فنجما . وفي قوله تعالى : « الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أن لا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ » . « 7 » فخصّ لفظ الإنزال ليكون أعمّ . وقوله : « لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ » « 8 » ولم يقل : لونزّلنا ، تنبيها أنّا لوخوّلناه مرّةً ماخوّلناك مرارا « لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً » . . . « 9 » وتابعهما على ذلك سيدنا العلّامة الطباطبائي مؤكّدا عليه ومصرّا على أنّ التعبير بالإنزال إنّما كان باعتبار نزول حقيقة القرآن البسيطة دفعة في ليلة القدر من شهر رمضان .
--> ( 1 ) - البقرة 185 : 2 . ( 2 ) - الدخان 3 : 44 . ( 3 ) - القدر 1 : 97 . ( 4 ) - الإسراء 106 : 17 . ( 5 ) - آلعمران 3 : 3 . ( 6 ) - الكشاف ، ج 1 ، ص 336 . ( 7 ) - التوبة 97 : 9 . ( 8 ) - الحشر 21 : 59 . ( 9 ) - المفردات للراغب ، ص 489 .