الشيخ محمد هادي معرفة

106

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

شيء . وهذا معنى قوله صلى الله عليه وآله : « فيفصم عنّي وقد وعيت » . والسبب في ذلك : أنّ الوحي في صورة المباشرة كان يخالط لبّه ، ويتسرّب إلى أعماق وجوده صلى الله عليه وآله بما أنفذه اللّه في قلبه الكريم « سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى » . « 1 » وبهذا يتضح معنى الحديث الذي رواه ابن أبي سلمة عن عمّه ، أنّه بلغه أنّ رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله كان يقول : « كان الوحي يأتيني على نحوين ، يأتيني جبرائيل فيلقيه عليّ ، كما يلقي الرجل على الرجل ، « 2 » فذلك الذي يتفلّت منّي . ويأتيني في شيء « 3 » مثل صوت الجرس ، حتى يخالط قلبي ، فذاك الذي لايتفلّت منّي » . « 4 » قوله صلى الله عليه وآله : فذلك الذي يتفلّت منّي ، أي الذي كان يكاد يتفلّت منه ، لأنّه كان سماعا مباشرا من ملك الوحي ، وسرعان ماينسى الإنسان مايسمعه من غيره إذا لم يعه وعيا . فهذا النمط من الوحي كان بمعرض النسيان وخوف التفلّت - كما هو شأن السماع المجرّد إذا لم يتقيّد بالكتابة في وقته - لاأنّه كان يتفلّت منه بالفعل . أمّا في صورة الوحي المباشر فحيث كان يخالط لبّه وينفذ في أعماق قلبه الكريم ، فلم يكن يخشى عليه التفلّت أصلًا . هذا وقد وقع بعض الباحثين ، في خلط من هذا الحديث « 5 » ورفضه آخرون . لكن المعنى على ما ذكرنا صحيح ، توافقه سائر الأحاديث . تجربة روحيّة رأينا من المناسب أن نأتي هنا بذكر شاهد واحد من مئات الشواهد ، والتي مرّت الإشارة إليها على صحّة وجود النفس ، وأنّ للإنسان روحا مستقلّة عن الجسم ، وهي لاتنحلّ بانحلاله ، ويمكنها الاتصال بعالم ما وراء المادّة . . . وهي طريقة التنويم الصناعي أو التنويم المغناطيسي . وهذه التجربة حضرها الأُستاذ الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

--> ( 1 ) - الأعلى 6 : 87 . ( 2 ) - أي كما يلقي الرجل بكلامه على صاحبه . وهذا هو الصورة الثانية ممّا تقدّم . ( 3 ) - أي الوحي ذاته يأتيني بلاتوسيط ملك . وهي الصورة الأُولى ممّا تقدّم . ( 4 ) - الطبقات ، ج 1 ، ص 131 . ( 5 ) - فتح الباري ، ج 1 ، ص 18 .