الشيخ محمد هادي معرفة

102

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

النبيّ صلى الله عليه وآله لم يدخل حتى يستأذنه ، وإذا دخل عليه قعد بين يديه قعدة العبد ، وإنّما ذلك عند مخاطبة اللّه عزّوجلّ إيّاه بغير ترجمان وواسطة » . « 1 » وفيما يلي أوصاف جرت على ألسنة الصحابة ، يذكرون مشهوداتهم عن الحالة التي كانت تعتري رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله ساعة نزول الوحي عليه : قال أمير المؤمنين عليه السلام : « نزلت على النبيّ صلى الله عليه وآله سورة المائدة ، وهو على بغلته الشهباء ، فثقل عليه الوحي حتى وقفت ، وتدلّى بطنها ، حتى رأيت سرّتها تكاد تمسّ الأرض ، وأغمي على رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله حتى وضع يده على ذؤابة شيبة بن وهب الجمحي . . . » . « 2 » وقال عبادة بن الصامت : « كان إذا نزل الوحي على النبيّ صلى الله عليه وآله كرب له وتربّد وجهه » . « 3 » وفي رواية : « نكّس رأسه ونكّس أصحابه رؤوسهم فلمّا سرى عنه رفع رأسه » . « 4 » وقال عكرمة : « كان إذا أوحي إلى رسول صلى الله عليه وآله وقذ لذلك ساعة كهيأة السكران » . « 5 » وقال ابن أروى الدوسي : « رأيت الوحي ينزل على النبيّ صلى الله عليه وآله وإنَّه على راحلته فترغو ، وتفتل يديها حتى أظنّ أنّ ذراعها ينقصم ، فربّما بركت وربّما قامت موَتِّدة يديها حتى يُسرّى عنه ، من ثقل الوحي . وإنّه ليتحدّر منه مثل الجمان » . « 6 » وقالت عائشة : « ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ، فيفصم عنه ، وإنَّ جبينه ليتفصّد عرقا » . « 7 » وقالت أيضا : « إنَّه كان ليوحى على رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله وهو على

--> ( 1 ) - كمال الدين ، ص 85 ؛ وبحار الأنوار ، ج 18 ، ص 260 ، ح 12 . ( 2 ) - تفسير العياشي ، ج 1 ، ص 288 ، ح 2 والذؤابة ، شعر مقدّم الرأس . ( 3 ) - الطبقات ، ج 1 ، ص 131 . « كرب » - بالبناء للمجهول - : أي انقبضت نفسه وتغيّرت حالته . « تربّد » أي تغيّر لون وجهه إلى الغبرة . ( 4 ) - دائرة معارف القرن العشرين ، ج 10 ، ص 712 . ( 5 ) - الطبقات ، ج 1 ، ص 131 . « وقذ » - بالبناء للمجهول - : أي غشي عليه . والموقوذ : من غلبه النعاس فصار كهيأة السكران . ( 6 ) - الطبقات ، ج 1 ، ص 131 . « ترغو » أي تضجّ وتكابد من شدّة الثقل . « تفتل يديها » أي تباعد بينهما . « ينقصم » أي ينكسر . « قامت موتّدة » أي وقفت جامدة لا حراك لها ، وثبتت قوائمها كالمسمار المثبت في الأرض . « التحدّر » : الانصباب السريع ، « الجمان » : اللؤلؤ . والواحدة : جمانة شبّه بذلك قطرات عرق جبينه الطّيب . ( 7 ) - صحيح البخاري ، ج 1 ، ص 3 . « التفصّد » : قطع العرق الذي ينصب منه الدم بتدفّق ، استعارة لكثرة انصباب عرقه الطيّب حين نزول الوحي .