الشيخ عباس القمي

82

سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار

كلام ابن أبي الحديد في فصاحة أمير المؤمنين عليه السّلام كلام ابن أبي الحديد في بيان فصاحة أمير المؤمنين عليه السّلام وما نقله عن أبي عثمان عن جعفر بن يحيى وكان من أبلغ الناس وأفصحهم للقول والكتابة انّه كان يتعجّب بقول عليّ عليه السّلام : « أين من جدّ واجتهد وجمع واحتشد وبنى فشيّد وفرش فمهّد وزخرف فنجّد » قال : ألا ترى انّ كلّ لفظة منها آخذة بعنق قرينتها جاذبة إلى نفسها دالّة عليها بذاتها ، قال أبو عثمان : فكان جعفر يسمّيه فصيح قريش . قال ابن أبي الحديد : واعلم اننا لا يخالجنا الشكّ في انّه عليه السّلام أفصح من كلّ ناطق بلغة العرب من الأوّلين والآخرين الّا ما كان من كلام اللّه سبحانه وكلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وذلك لأنّ فضيلة الخطيب أو الكاتب في خطابته وكتابته يعتمد على أمرين هما مفردات الألفاظ ومركباتها ، أمّا المفردات فان يكون سهلة سلسلة غير وحشيّة ولا معقّدة وألفاظه عليه السّلام كلّها كذلك ، وأمّا المركّبات فحسن المعنى وسرعة وصوله إلى الأفهام واشتماله على الصفات التي باعتبارها فضل بعض الكلام على بعض وتلك الصفات هي الصناعة التي سمّاها المتأخّرون البديع من المقابلة والمطابقة وحسن التقديم وردّ آخر الكلام على صدره والترصيع والتسهيم والتوشيح والمماثلة والاستعارة ولطافة استعمال المجاز والموازنة والتكافؤ والتسميط والمشاكلة ولا شبهة انّ هذه الصفات كلّها موجودة في خطبه وكتبه مبثوثة متفرّقة في فرش كلامه عليه السّلام ، وليس يوجد هذان الأمران في كلام لأحد غيره فإن كان قد تعمّلها وأفكر فيها وأعمل رويته في وضعها وسرّها فلقد أتى بالعجب العجاب ووجب أن يكون إمام الناس كلّهم في ذلك لأنّه ابتكره ولم يعرف من قبله ، وإن كان اقتضبها ابتداء وقاضب عليها لسانه مرتجلة وجاش بها طبعه بديهة من غير روية ولا اعتمال فأعجب وأعجب على كلي الأمرين فلقد جاء مجلبا والفصحاء