الشيخ عباس القمي

453

سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار

فأقول : انّ الشعر من أفضل مشاعر الآداب وأجمل مفاخر العرب ، به يستماح المكارم ويستعطف الطباع الغواشم ويشحذ الأذهان وينسل الأضغان ويستصلح الرأي الفاسد ويستثار « 1 » الهمم الجوامد ، لكنّه عسر المطلب خطر المركب لافتقاره إلى أمور غريزيّة وأخرى كسبيّة ، وهي شديدة الامتناع بعيدة الاجتماع ، فالمعتذر عن التعرّض له معذور والمعترف بالقصور عنه مشكور ، وقد كنت زمن الحداثة أتعرّض لشيء منه ليس بالمرضيّ فكتبت كتابا إلى والدي رحمه اللّه أثني فيها على نفسي بجهل الصبوة وهي : ليهنك أنّي كلّ يوم إلى العلى * أقدّم رجلا لن تزلّ به النّعل وغير بعيد أن تراني مقدّما * على الناس حتّى قيل ليس له مثل تطاوعني بكر المعاني وعونها * ويقتادني حتّى كأنّي لها بعل ويشهد لي بالفضل كلّ مبرّز * ولا فاضل الّا ولي فوقه فضل كلام والد المحقق في ذمّه فكتب رحمه اللّه فوق هذه الأبيات ما صورته : لئن أحسنت في شعرك لقد أسأت في حقّ نفسك ، أما علمت انّ الشعر صناعة من خلع العفّة ولبس الحرفة ، والشاعر ملعون وإن أصاب ومنقوص وإن أتى بالشيء العجاب ، وكأنّي بك قد أوهمك الشيطان بفضيلة الشعر فجعلت تنفق ما تلفق بين جماعة لم يعرفوا لك فضيلة غيره فسمّوك به وقد كان ذلك وصمة عليك آخر الدهر ، أما تسمع : ولست أرضى أن يقال شاعر * تبّا لها من عدد الفضائل فوقف خاطري عند ذلك حتّى كأنّي لم أقرع له بابا ولم أرفع له حجابا وأكد ذلك

--> ( 1 ) يستطار ( ظ ) .