الشيخ عباس القمي

28

سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار

« أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ » « 1 » . إعلم انّ للإبل خواص : منها أنّه يؤكل لحمه « 2 » ، ويشرب لبنه ، ويحمل الإنسان في الأسفار ، وينقل أمتعة الإنسان من بلد إلى بلد ، ويكون به زينة وجمال ، وهذه الخصال لا تجتمع في غيره ، وفي كلّ واحد من هذه الخصال أفضل من الحيوان الذي لا يوجد فيه الّا هذه الخصلة ، لأنّها إن جعلت حلوبة أروت الكثير ، وإن جعلت أكولة أطعمت وأشبعت الكثير ، وإن جعلت ركوبة أمكن أن يقطع بها من المسافة البعيدة ما لا يمكن قطعه بحيوان آخر ، وذلك لما ركّب فيها من القوّة على مداومته في السير ، والصبر على العطش ، والإجتزاء من العلوفات بما لا يجتزي به حيوان آخر ، وإن جعلت حمولة استقلّت بحمل الأحمال الثقيلة التي لا يستقل بها سواها ، ومنها أنّه كان أعظم الحيوانات في قلوب العرب ، ولذلك جعلوا ديّة قتل الإنسان إبلا ، وقال تعالى : « وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ » « 3 » ، ومنها أنّه مع كونه في غاية القوّة على العمل ، مباين لغيره في الانقياد والطاعة لأضعف الحيوانات كالصبيّ ؛ ويحكى أن فأرة أخذت بزمام ناقة فأخذت تجرّها وهي تتبعها حتّى دخلت الجحر ، فجرّت الزمام وبركت الناقة ، فجرّت فقرّبت فمها من جحر الفأر ؛ فإن قيل : الفيل أعظم من الإبل في الأعجوبة ، فلم لم يأمر اللّه تعالى بالتأمل في خلقته وأمر بالتأمل في خلقة الإبل ؟ فالجواب انّ العرب من أعرف الناس بأحوال الإبل في صحتها وسقمها ومنافعها ومضارّها دون الفيل ، فلذلك أمر بالتأمل فيها . قال الدميري : والإبل من الحيوان العجيب وإن كان عجبها سقط من أعين الناس لكثرة رؤيتهم لها ، وهو انه حيوان عظيم الجسم شديد الانقياد ، ينهض بالحمل

--> ( 1 ) سورة الغاشية / الآية 17 . ( 2 ) الإبل بكسرتين لا واحد لها من لفظها ، وهي مؤنثة لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كان لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم ( مجمع البحرين / 5 ) وعلى هذا فالموارد التي ذكرت فيها الإبل في هذا النصّ ينبغي تأنيثها . ( 3 ) سورة النحل / الآية 6 .