محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )

70

الروض المعطار في خبر الأقطار

فبلغت النفقة في نقض شيء يسير منه مبلغا عظيما ، فكتب إليه بذلك فعزم على تركه وقال لخالد بن برمك : قد صرنا إلى رأيك ، فقال له خالد : إن رأيي الآن أن تبلغوا به الماء ، فقال له المنصور : وكيف ذلك ؟ قال : إني آنف لكم أن يكون أولئك بنوا بناء تعجزون أنتم عن هدمه والهدم أسهل من البناء . ففكّر المنصور في قوله فعلم أنه قد صدق ، ثم نظر فإذا هدمه يتلف الأموال فأمر بالامساك عنه . وكان بعد يقول : لقد حبب إلي هذا ألا أبني إلا بناء جليلا يصعب هدمه . وقد بشر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه بالاستيلاء على مملكة فارس ووعدهم بافتتاح المدائن فضرب صلّى اللّه عليه وسلّم يوم الخندق بمعول أخذه صخرة عظيمة اعترضت عليهم في الخندق ، فكسر ثلثها بضربة وقال : « اللّه أكبر أعطيت مفاتيح الشام واللّه إني لأبصر قصورها الحمر الساعة » ، ثم ضرب الثانية فكسر ثلثها الثاني وقال : « اللّه أكبر أعطيت مفاتيح فارس واللّه إني لأنظر قصر المدائن الأبيض » ، ثم ضرب الثالثة فكسر بقية الحجر وقال : « اللّه أكبر أعطيت مفاتيح اليمن واللّه إني لأرى أبواب صنعاء من مكاني الساعة » ، فصدق اللّه وعده وأنجز لأمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ما بشّرهم به واستأصل بهم مملكة فارس ، وفتح عليهم المدائن في زمان عمر رضي اللّه عنه . والمدائن على مسافة يوم من بغداد ، ويشتمل مجموعها على مدائن متصلة مبنية على جانبي دجلة شرقا وغربا ، ودجلة يشق بينهما ، ولذلك سميت المدائن ، فالغربية منها تسمى بهرسير ، والمدينة الشرقية تسمى العتيقة وفيها القصر الأبيض الذي لا يدرى من بناه ويتصل بهذه المدينة العتيقة المدينة الأخرى التي كانت الملوك تنزلها وفيها إيوان كسرى المتقدم الذكر . ونزل الرشيد مرة على قرب من الإيوان فسمع بعض الخدم من وراء السرادق يقول لآخر : هذا الذي بنى هذا البناء أراد أن يصعد إلى السماء ، فأمر الرشيد بضربه مائة عصا وقال لمن حضره : إن الملك نسبة بين الملوك لهم به اخوة وإن الغيرة بعثتني على أدبه لصيانة الملك وما يلحق الملوك للملوك . قالوا : ولما بنى أنوشروان سور الباب والأبواب وفدت عليه الملوك بالهدايا فكان في جملتهم رسول قيصر فنظر إلى الإيوان وحسن بنائه واعجاب صنعته ورأى تعريجا في ميدانه واعوجاجا فسأل عن معنى ذلك فقيل له إن عجوزا لها منزل في جانب الاعوجاج ، وان الملك أرادها على بيعه وأرغبها فأبت فلم يكرهها فقال الرومي : هذا الاعوجاج الآن أحسن من الاستواء . ولما كانت الليلة التي ولد فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ارتج هذا الإيوان وسقط منه أربع عشرة شرفة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام ، وغاضت بحيرة ساوة ورأى الموبذان - وهو القائم بأمر الدين عندهم - خيلا عرابا قد قطعت دجلة فأفزع ذلك كسرى أنوشروان ، وكان مولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لاثنتين وأربعين سنة من ملكه ، فكتب أنوشروان إلى النعمان بن المنذر وهو ولّاه أمر العرب أن يوجه إليه رجلا من مشاهير العرب يسأله عما يريد فبعث إليه عبد المسيح بن عمرو إلى آخر القصة وهي مشهورة . وللإيوان بناء عال شديد البياض . أيلة « 1 » : في طريق مكّة ، حاطها اللّه ، من مصر ، وهي أول حدّ الحجاز ، وهي مدينة جليلة القدر على ساحل البحر الملح بها يجتمع حاجّ مصر والمغرب ، وبها التجارة الكثيرة وأهلها أخلاط من الناس . وسميت بأيلة بنت مدين قالوا : وهي القرية التي كانت حاضرة البحر المذكورة في القرآن . قال ابن إسحاق « 2 » : ولما انتهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأعطاه الجزية وكتب له كتاب أمنه ؟ ؟ ؟ هو مذكور في سير ابن إسحاق . وروى أبو حميد الساعدي في خبر تبوك أن صاحب أيلة أهدى للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بغلة بيضاء وكساه بردا وكتب له . وتسير من أيلة فتلقى العقبة التي لا يصعدها راكب لصعوبتها ولا تقطع إلا في طول اليوم لطولها ثم تسير مرحلتين في فحص التيه ، وأيلة حدّ مملكة الروم في الزمن الغابر وعلى ميل منها باب معقود لقيصر قد كان مسلحة يأخذون [ عنده ] المكوس . ومن أيلة إلى بيت المقدس ست مراحل ، والطور الذي كلّم اللّه تعالى عليه موسى عليه السّلام على يوم وليلة من أيلة ، وينزلها اليوم قوم من بني أميّة وأكثرهم موالي عثمان رضي اللّه عنه كانوا سقاة الحاج ، وبها علم كثير وآداب ومتاجر وأسواق عامرة ، وهي كثيرة النخل والزرع واصلح عقبة أيلة فائق مولى خمارويه بن أحمد بن طولون

--> ( 1 ) رحلة الناصري : 201 - 202 . ( 2 ) ابن هشام 2 : 525 .