محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )

مقدمة 5

الروض المعطار في خبر الأقطار

الأندلس وأحداثها ، في كتابه ، يجعل المرء يظن ، ولو كان هو المقري المهاجر البعيد عن الأندلس والمغرب ، أن مؤلف الروض المعطار أندلسي ، فالخطأ هنا ليس خطأ صاحب الروض ، الذي كان سبتيا دخل الأندلس ، وإنما هو خطأ الذين ظنوا أنه أندلسي النسبة لاسرافه في الحديث عن الأندلس . وقد أكّد نسبته إلى سبتة محمد بن القاسم الأنصاري السبتي حين ذكر أنه مقبور بمقبرة المنارة بسبتة وأنه من أهلها في قوله : « قبر الشيخ اللغوي الحافظ الأنبل المتفنن في المعارف ، أوحد زمانه في ذلك ، وإمام عصره ، أبي عبد اللّه ابن عبد المنعم الصنهاجي من أهل سبتة » « 1 » . 2 - وتمدنا هذه الترجمة بصورة فيها شيء من التفصيل عن مناحي ثقافته وضروب براعته إذ تصوّره متضلّعا في الحديث واللغة والنحو ، مضيفا إلى ذلك كله اطلاعا على العلوم العقلية ، ومهارة خارقة في الشطرنج . ويؤكد ابن القاسم الأنصاري ما قاله ابن الخطيب حول تضلعه في القراءة والحفظ واللغة ، وتفرده في هذه الشؤون حتى أصبح « أوحد زمانه في ذلك وإمام عصره » . ومما يؤكد ذلك طبيعة الاتجاهات التي سار فيها أساتذته الذين درس عليهم ، وقد ذكر منهم ابن الخطيب اثنين وهما : أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عيسى الغافقي ( - 716 ) ، شيخ النحاة والقراء بسبتة ، فقد كان يتقن كتاب سيبويه ، ولعلّ ابن عبد المنعم أخذه عنه ، كما صنف كتابا في قراءة نافع وآخر في شرح الجمل « 2 » أما أستاذه الثاني فهو أبو القاسم ، القاسم بن عبد اللّه بن الشاط ( - 723 ) فقد كان يقرئ الأصول والفرائض بمدرسة سبتة ، وكان حسن المشاركة في العربية ، متقدما في الفقه ريان من الأدب « 3 » . وقد طبعت هذه الثقافة شخصية ابن عبد المنعم بطابعها ، فقد كان الرجل على جانب غير قليل من التدين ، وفي آخر عمره كان كثير « القرب والأوراد » ، معروفا بالصلاح بين معاصريه ، سليم الصدر ، كما يمكن أن يتصوّره من يقرأ كتاب « الروض المعطار » ، مهتما باعراب كلامه ، وفي هذا من المشقة عليه وعلى معاصريه ما فيه . وفي كتاب الروض ما يشير من بعيد إلى ملامح من شخصيته ، فهو من ناحية التقوى لا يدع أحدا من الصحابة دون أن يقرن اسمه ب « رضي اللّه عنه » ، ولو مرّ في الصفحة الواحدة عدة مرات - وهذا ليس من صنيع النساخ فيما أعتقد - وهو يحب أن يقف عند أمجاد المسلمين الأوائل ، ولهذا تجده مغرما بنقل أخبار الفتوح ؛ وقد أحسّ هو نفسه أنه أسرف في النقل ، حين تحدث عن معركة الزلاقة ، فشفع ذلك بقوله : « قال مؤلف هذا الكتاب [ رحمة اللّه عليه ] : قد خالفت بشرح هذه الوقيعة شرط الاختصار لحلاوة الظفر في وقت نزول الهموم ووقوعها في الزمن الخامل ، واللّه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء وهو المستعان » . ولعلها الملاحظة الوحيدة التي سمح لنفسه بتقييدها تعبيرا عن مشاعره الذاتية .

--> ( 1 ) اختصار الأخبار عما كان بثغر سبتة من سني الآثار : 5 ( ط . باريز ، 1932 ) تحقيق إ . لافي بروفنسال ؛ وقد فرغ المؤلف من جمع كتابه سنة 765 ( 2 ) انظر ترجمته في الدرر الكامنة 1 : 13 وبغية الوعاة : 177 وكلاهما يعتمد على الذهبي ؛ ودرة الحجال 1 : 176 وغاية النهاية 1 : 18 . ( 3 ) الإحاطة : 358 ( النسخة ك ) والديباج المذهب : 225