محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )
33
الروض المعطار في خبر الأقطار
من جميع جهاتها الثلاث ، فجنوبها يحيط به البحر الشامي وجوفيها يحيط به البحر المظلم وشمالها يحيط به بحر صنف « 1 » من الروم . وطول الأندلس من كنيسة الغراب التي على البحر المظلم إلى الجبل المسمى هيكل الزهرة ألف ميل ومائة ميل وعرضها ستمائة ميل . والأندلس أقاليم عدة ورساتيق جملة وفي كل إقليم منها عدة مدن ، والركن الواحد من أركانها الثلاثة هو الموضع الذي فيه صنم قادس بين المغرب والقبلة ، والركن الثاني شرقي الأندلس بين مدينة نربونة « 2 » ومدينة برذيل بإزاء جزيرتي ميورقة ومنورقة ، والركن الثالث حيث ينعطف البحر من الجوف إلى الغرب حيث المنارة في الجبل الموفي على البحر وفيه الصنم العالي المشبه بصنم قادس وهو في البلد الطالع على بلد برطانية . والأندلس شامية في طيبها وهوائها يمانية في اعتدالها واستوائها هندية في عطرها وذكائها أهوازية في عظم جناتها صينية في جواهر معادنها عدنية في منافع سواحلها . وفيها آثار عظيمة لليونانيين أهل الحكمة وحاملي الفلسفة ، وكان من ملوكهم الذين أثروا الآثار بالأندلس هرقلش « 3 » وله الأثر في الصنم بجزيرة قادس وصنم جليقية والأثر في مدينة طركونه الذي لا نظير له . وفي غربي شنترين على مقدار خمسين ميلا فيما بين الاشبونة وشنترة في جبل هناك كان حصنا فيما مضى يوجد الحجر المعروف بالحجر اليهودي ، وهو على شكل البلوط سواء ومن خاصيته تفتيت الحصا التي تكون في المثانة والكلية ويقع في الاكحال ، وفي جوفي بطليوس على قدر أربعين ميلا معدن المها . والأندلس دار جهاد وموطن رباط قد أحاط بشرقيها وشمالها وبعض غربها أصناف أهل الكفر ، وروي عن عثمان رضي اللّه عنه أنه كتب إلى من انتدب إلى غزو الأندلس : أما بعد ، فإن القسطنطينية إنما تفتح من قبل الأندلس ، وانكم إن فتحتموها كنتم شركاء من يفتحها في الأجر والسّلام . وعن كعب الحبر أنه قال : يعبر البحر إلى الأندلس أقوام يفتحونها يعرفون بنورهم يوم القيامة . ودخل الأندلس رجل واحد من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال عبد الملك بن حبيب : اسمه المنيذر الإفريقي وانه يروي عنه عليه السّلام أنه قال : « من قال رضيت بالله ربا إلى آخرها فأنا الزعيم لآخذن بيده فأدخله الجنة » ؛ ودخلها من التابعين حنش ابن عبد اللّه الصنعاني وهو الذي أسس جامع سرقسطة وكان مع علي رضي اللّه عنه بالكوفة ، فلما قتل علي رضي اللّه عنه انتقل إلى مصر ، وقبره بسر قسطة معروف ، ومنهم علي بن رباح اللخمي وعمرو بن العاصي وعلقمة بن عامر وأبو عبد الرحمن عبد اللّه بن زيد الحبلي الأنصاري وعياض بن عقبة الفهري وموسى بن نصير ، يقال بكري ويقال لخمي ، ويقال إن نصيرا من سبي عين التمر أعتقه صبيح مولى أبي العاص بن أميّة ، يقال أصابه خالد في علوج عين التمر وادعوا أنهم من بكر بن وائل فصار نصير وصيفا لعبد العزيز بن مروان وأعتقه فمن أجل هذا يختلف فيه ؛ وعقد الوليد لموسى على إفريقية سنة ثلاث وثمانين وكان مولد موسى سنة تسع عشرة في خلافة عمر رضي اللّه عنه وكان معاوية رضي اللّه عنه قد جعل نصيرا أبا موسى على حرسه فلم يقاتل معه عليا رضي اللّه عنه ، فقال له معاوية رضي اللّه عنه : ما منعك من الخروج على علي رضي اللّه عنه ولم تكاف يدي عليك ، قال : لم يمكن أن أشكرك بكفر من هو أولى بشكري منك ، قال : ومن هو ؟ قال : اللّه عز وجل . ومسافة ما يملكه المسلمون من الأندلس ثلاثمائة فرسخ طولا في ثمانين فرسخا عرضا والذي يملك منها النصارى مثل ما يملك المسلمون أو أشفّ . ثم حدث فيها من تغلب الثوار ما أضاع ثغورهم وأذهب أكثر بلادهم ولم يبق من تلك إلا الأقل ؛ وبها الجبال المشهورة والحمّامات الكثيرة . قال الرازي : أول من سكن الأندلس بعد الطوفان على ما يذكره علماء عجمها قوم يعرفون بالأندلش بالشين معجمة بهم سمي البلد ثم عرّب ، وكانوا أهل تمجس فحبس اللّه تعالى عنهم المطر حتى غارت عيونها ويبست أنهارها فهلك أكثرهم وفرّ من قدر على الفرار منهم ، فأقفرت الأندلس وبقيت خالية مائة عام وملكهم اشبان بن طيطش وهو الذي غزا الأفارقة وحصر ملكهم بطالقة « 4 » ، ونقل رخامها إلى إشبيلية وبه سميت فاتخذها دار مملكة وكثرت جموعه ، فعلا في الأرض وغزا من إشبيلية إيليا بعد سنتين من ملكه ، خرج إليها في السفن وهدمها وقتل من اليهود مائة ألف واسترق مائة ألف وفرّق في البلاد مائة ألف ، وانتقل رخام إيليا وآلاتها إلى الأندلس ؛ والغرائب التي أصيبت في مغانم الأندلس
--> ( 1 ) بروفنسال : بحر الانقليشيين ، ص ع : ضيق . ( 2 ) في الأصل : قرمونة . ( 3 ) في الأصل : هرقاش . ( 4 ) في الأصل : بطارقة .