محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )
9
الروض المعطار في خبر الأقطار
قد حلّها كلّ جود * وأمّها كل مله بدت لديها بدور * دارت عليها الأهله يمّم ذراها لتلقى * بأُفقها المجد كله فاستحسن ذلك فخر الدين ، قال : وكان نزولنا في جنوبي نهر معقل وبينه وبين نهر الأُبلة في الجنوب فرسخ ، ويخرج من أعلى هذا النهر فيض ومن أصل النهر الآخر فيض يختلطان فيصير منهما النهر الذي يمتد مع البصرة في شرقيها ، ويجمع ذلك المكان أصناف الزهر وأشتات الرياحين والنخل ، فأنشد فخر الدين : انظر إلى نهرين قد أخرجا * من دجلة ما لهما من مثيل وإن تشا قلت أرى دارغا * في كل كف منه سيف صقيل والنخل والأدواحُ قد أحدقت * تحكي رعيلا قد تلاه رعيل ولما دخل الططر مدينة السلام أبقوه على جباية البلاد لمعرفته بها ثم قدّموه للشنق سنة تسع وخمسين وستمائة لأنهم اتهموه بمواطأة صاحب مصر عليهم . أبطير « 1 » : حصن بالأندلس بمقربة من بطليوس من بناء محمد ابن أبي عامر ، من جليل الصخر داخله عين ماء خوارة ، وهو اليوم خال ، وعلى مقربة منه بنحو ثلاث غِلاء « 2 » قبر في نشز من الأرض قد نحت في حجر وقد نضد عليه صفائح الحجارة ويُعرف بقبر الشهيد ولا يعلم له وقت لقدمه ، يُرفَع عنه بعض تلك الصفائح فيرى صحيح الجسم لم يتغير ، نابت الشعر . أبركاوان : جزيرة في البحر بينها وبين سيراف مائة وخمسون فرسخا وفيها قلاع شتى وفيها أجوان كثيرة ومستقى ومحتطب كثير ، وفيها معادن الحديد ، وطولها اثنا عشر فرسخا ، وبينها وبين ساحل بحر فارس فرسخان . ابرشهر : هي مدينة نيسابور ، وقصدها غازيا الأحنف بن قيس من قِبَل ابن عامر فلقيه الهياطلة فقاتلهم فهزمهم ، ثم أتى ابن عامر نيسابور فافتتح مدينة ابرشهر هذه ، قيل صلحا وقيل عنوة ، وفتح ما حولها : طوس وبيورد ونسا وسرخس ، ولمّا افتتحها ابن عامر أعطوه جاريتين من آل كسرى . أبيض المدائن : ويقال له القصر الأبيض ، وهو الذي لا يُدرى من بناه وهو من المدينة العتيقة من المدائن دار ملك الأكاسرة بالعراق ، وهو المشار إليه في حديث النسائي « 3 » عن البراء بن عازب رضي اللّه عنهما ، قال : لما أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن نحفر الخندق عرض لنا فيه حجر لا يأخذ فيه المعول فاشتكينا ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فألقى ثوبه وأخذ المعول بيده وقال : « بسم اللّه » فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : « اللّه أكبر . أعطيت مفاتيح الشام واللّه إني لأنظر قصورها الحمر الآن من مكاني هذا » ؛ قال : ثم ضرب أخرى وقال : « بسم اللّه » وكسر ثلثا آخر وقال : « اللّه أكبر . أعطيت مفاتيح فارس واللّه إني لأنظر قصر المدائن الأبيض » ، ثم ضرب ثالثة وقال : « بسم اللّه » فقطع [ بقية ] الحجر وقال : « اللّه أكبر . أعطيت مفاتيح اليمن واللّه إني لأنظر باب صنعاء » ، وهذا الحديث أوضح في المعنى من حديث سلمان رضي اللّه عنه الذي في السير « 4 » ، وذلك أن المدائن على مسافة يوم من بغداد ويشتمل مجموعها على مدائن متصلة مبنية على جانبي دجلة شرقا وغربا ، ودجلة تشق بينها ولذلك سميت المدائن : الغربية منها تسمى بهر سير ، والمدينة الشرقية تسمى العتيقة ، وفيها القصر الأبيض الذي لا يُدرى مَن بناه ، ويتصل بهذه المدينة العتيقة المدينة الأُخرى التي كانت الملوك تنزلها ، وفيها إيوان كسرى العجيب الشأن الشاهد بضخامة مُلك بني ساسان ، ويقال إن سابور ذا الأكتاف منهم هو الذي بناه وهو من أكابر ملوكهم ؛ وقد ذكر أبو عبادة البُحتري هذا القصر الأبيض وما كان مصوّرا فيه من الصخور العجيبة والتماثيل البديعة في قصيدته السينيّة البارعة الفريدة « 5 » : حضرت رحلي الهموم فوجه * تُ إلى أبيض المدائن عنسي أتسلّى عن الحظوظ وآسى * لمحل من آل ساسان درسِ ذكرتنيهم الخطوب التوالي * ولقد تذكر الخطوب وتنسي
--> ( 1 ) بروفنسال : 11 والترجمة : 16 ولم يعرّف بها . ( 2 ) الغلاء : جمع غلوة ، وهي رمية السهم . ( 3 ) سنن النسائي ؛ باب الجهاد ( 6 : 43 ) وليس فيه رواية عن البراء بن عازب ، وإنما الرواية عن البراء في مسند أحمد 4 : 303 قريبة الشبه بما أورده المؤلف . ( 4 ) انظر ابن هشام 2 : 219 . ( 5 ) ديوان البحتري : 1152 .