محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )

4

الروض المعطار في خبر الأقطار

وثبّت به شريعته ، ثم قالت لي : وكيف رأيت صاحبنا ، تعني ابن أخيها محمد بن أحمد ، قال فقلت : رأيت غلاما حدثا معجبا قد استحوذ عليه السفهاء فاستمد بآرائهم ونصت لأقوالهم يزخرفون له الكلام ويوردونه الندم ، فقالت لي : فهل لك أن ترجع اليه بكتاب فلعلنا أن نحل ما عقد السفهاء ، قال قلت : أجل ؛ فكتبت اليه كتابا حسنا لطيفا أجزلت فيه الموعظة وأخلصت فيه النصيحة ، وكتبت في آخره هذه الأبيات اقبل نصيحة أُمّ قلبها وجعٌ * عليك خوفاً واشفاقاً وقل سَدَدا واستعمل الفكر في قولي فإنك إن * فكرت الفيتَ في قولي لك الرشدا ولا تثق برجال في قلوبهمُ * ضغائن تبعث الشنآن والحسدا مثل النعاجِ خمول في بيوتهمُ * حتى إذا أمِنوا الفيتهم أُسدا وداوِ داءك والأدواء ممكنة * وإذ طبيبك [ قد ] ألقى إليك يدا واعطِ الخليفة ما يرضيه منك ولا * تمنعه مالا ولا أهلا ولا ولدا واردف أخا يشكر ردءا يكون له * ردءا من السوء لا تشمت به أحدا قال : فأخذت الكتاب وصرت به إلى محمد بن أحمد ، فلما نظر فيه رمى به إلي ثم قال : يا أخا يشكر ما بآراء النساء تُساسُ الدول ، ولا بعقولهن يساس الملك ، ارجع إلى صاحبك ، فرجعت إلى أمير المؤمنين فأخبرته الخبر على حقه وصدقه ، فقال : وأين كتاب أم الشريف ؟ فأظهرته ، فلما عرض عليه أعجبه شعرها وعقلها ثم قال : واللّه إني لأرجو أن أشفعها في كثير من القوم . فلما كان من فتح آمد ما كان ونزول محمد بن أحمد على الأمان لما عمّهم القتال وجّه إلي أمير المؤمنين فقال : يا شعلة بن شهاب هل عندك عِلم من أم شريف ؟ قال ، قلت : لا واللّه يا أمير المؤمنين ، قال : فامض مع هذا الخادم فإنك تجدها في جملة نسائها ، قال : فمضيت ، فلما بصرت بي أسفرت عن وجهها وأنشأت تقول : رَيبُ الزمان وصرفه * وعتوه كشف القناعا وأذلّ بعد العزّ من * ا الصعبَ والبطل الشجاعا ولقد نصحتُ فما أُطِع * تُ وكم حرصت بأن أُطاعا فأبى بنا المقدار ا * لا أن نقسّم أو نباعا يا ليت شعري هل نرى * يوما لفرقتنا اجتماعا ثم بكت وضربت بيدها على الأخرى وقالت : يا ابن شهاب كأني واللّه كنت أرى ما أرى فإنا للّه وإنا إليه راجعون ، قال فقلت : إن أمير المؤمنين قد وجهني إليك وما ذاك إلا لحسن رأيه فيك ، قال فقالت لي : فهل لك أن توصل اليه كتابي هذا بما فيه ؟ قلت : نعم ، فكتبت اليه بهذه الأبيات : قل للخليفة والإمام المرتضى * وابن الخلائف من قريش الأبطحِ بك أصلح اللّه البلاد وأهلها * بعد الفساد وطال ما لم تصلح وتزحزحت بك قبة العز التي * لولاك بعد اللّه لم تتزحزح وأراك ربّك ما تحب فلا ترى * ما لا تحبّ فجُد بعفوك واصفح يا بهجة الدنيا وبدر ملوكها * هب ظالمين ومفسدين لمصلح قال : فأخذت الكتاب وصرت به إلى أمير المؤمنين ، فلما عرضت عليه الأبيات أعجبته ، فأمر أن تحمل إليها تخوت من ثياب وجملة من المال وإلى ابن أخيها محمد بن أحمد بن عيسى مثل ذلك ، وشفعها في كثير من أهلها ممن عظم جرمه واستحق العقوبة . ومن العلماء المنسوبين إلى آمد المتأخرين السيف الآمدي