محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )

194

الروض المعطار في خبر الأقطار

عنها غيري ، وو اللّه لا استأثرت عنك بشيء أملكه ولك بذلك عهد اللّه وميثاقه عليّ ، وما أسألك إلا أن تصونني وتسترني ، وهذا ألف دينار معي لنفقتي فخذها حلالا ، وهذا حلي بأغلى من خمسمائة دينار فخذه وضمّنّي ما شئت بعده آخذه لك من تجار المدينة أو مكة ومن أهل الموسم ، فليس منهم من يمنعني شيئا أطلبه ، وادفع عني واحمني من أصحابك ومن عار يلحقني . فوقع لقولها من قلبي موضع عظيم ، فقلت لها : قد وهب اللّه عزّ وجلّ لك مالك وجاهك ووهب لك القافلة بجميع ما فيها ، ثم ناديت في أصحابي : اني قد أجرت هذه القافلة ولها ذمة اللّه تعالى وذمة رسوله وذمتي ، فمن أخذ منها خيطا أو مخيطا فقد أذنته بحرب ، فانصرفوا معي وانصرفت ، فلما أخذت فحسبت فبينا أنا ذات يوم في محبسي إذ جاءني السجان فقال : إن بالباب امرأتين تزعمان انهما من أهلك وقد حظر علي أن يدخل عليك أحد ، إلا أنهما أعطتاني دملج ذهب وجعلتاه لي إن أوصلتهما إليك ، وقد أذنت لهما وهما بالدهليز ، فأخرج اليهما ، فخرجت اليهما فإذا بصاحبتي ، فلما رأتني بكت لما رأت من حالي وثقل الحديد علي ، فأقبلت عليها الأخرى فقالت : أهو هو ؟ قالت : أي واللّه هو ، ثم أقبلت علي وقالت : واللّه يا سيدي لو استطعت أن أقيك مما أنت فيه بنفسي وأهلي لفعلت وكنت بذلك مني حقيقا ، وو اللّه لا تركت المعاونة لك والسعي في خلاصك بكلّ حيلة ومال وشفاعة ، وهذه دنانير وثياب وطيب فاستعن بها على موضعك ، ورسولي يأتيك في كل يوم مما يصلحك حتى يفرج اللّه عنك ، ثم أخرجت إليّ مائتي دينار وكسوة وطيبا ، وكان رسولها يأتيني في كل يوم بطعام نظيف ويتواصل برّها السجان فلا يمتنع من كل ما أريده حتى منّ اللّه بخلاصي ، ثم راسلتها فخطبتها فقالت : أمّا من جهتي فأنا لك سامعة مطيعة ، والأمر إلى أبي ، فأتيته فخطبتها إليه فردّني وقال : ما كنت لأحقق عليها ما قد شاع في الناس عنك في أمرها وقد صيرتها فضيحة ، فقمت من عنده منكسرا مستحييا وقلت في ذلك : رموني وإياها بشنعاء هم بها * أحقّ أدال اللّه منهم معجلا بأمر تركناه وربّ محمد * عيانا فإما عفّة أو تجملا فقلت « 1 » : إن عيسى صنيعة أخي وهو لي مطيع ، وانا أكفيك أمره ، فلما كان من غد لقيت عيسى في منزله وقلت : جئتك في حاجة ، فقال : مقضية ، فقلت : جئتك خاطبا إليك ابنتك ، فقال : وهي أمتك وأنا لك عبد وقد أجبت ، فقلت : اني خطبتها على من هو خير مني أبا وأما وأشرف لك صهرا ومتصلا محمد بن صالح العلوي ، فقال : يا سيدي هذا رجل قد لحقنا بسببه ما لم يخف عليك وقيلت فينا أقوال ، فقلت : أليست باطلة ؟ قال : بلى والحمد للّه ، ولم أزل أرفق به حتى أجاب ، فبعثت إلى محمد بن صالح فأحضرته ، وما برحت حتى زوجه وسقت الصداق عنه ، فصنع محمد بن صالح في ذلك شعرا ، ولما حملت إليه حمدونة شغف بها ، وكانت امرأة جميلة عاقلة ، وله فيها أشعار حسان . الحزورة « 2 » : موضع بمكة يلي البيت بفناء دار أمّ هانئ بنت أبي طالب التي كانت عند الحناطين فدخلت في المسجد الحرام ، وقيل بل كانت الحزورة في موضع السقاية التي عملت الخيزران بفناء دار الأرقم ، وقال بعضهم : كانت نحو الردم في الوادي ، والأثبت أنها كانت من الحناطين وهو الأشهر عند المكيين ، وفي الحزورة دفن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد اللّه ابن أخي طلحة ابن عبيد اللّه وكان قتل مع ابن الزبير ، فلما زيد في المسجد الحرام دخل قبره في المسجد ، ذكر ذلك الزبير بن أبي بكر . وروى الزهري قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عبد اللّه بن عدي بن حمراء الزهري أخبره أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول وهو واقف بالحزورة في سوق مكة : « واللّه انك لخير أرض اللّه وأحب أرض اللّه إلي ، ولولا اني أخرجت منك ما خرجت » ، وهذا من الأحاديث الصحاح التي أخرجها الدارقطني وذكر ان البخاري ومسلما أغفلا تخريجها في كتابيهما على ما شرطاه ، وهذا الحديث من أقوى ما يحتج به الشافعي في تفضيل مكة على المدينة ، قال الدارقطني : والمحدثون يقولون : الحزوّرة بالتشديد وهو تصحيف إنما هو بالتخفيف . وقال عمرو بن العاصي لمعاوية رضي اللّه عنهما : رأيت في منامي أبا بكر رضي اللّه عنه حزينا فسألته عن شأنه فقال : وكل بي هذان لمحاسبتي وإذا

--> ( 1 ) القائل هو ابن المدبر . ( 2 ) معجم ما استعجم 2 : 411 ، والبكري ( مخ ) : 74 .