محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )

155

الروض المعطار في خبر الأقطار

وأكلوه ، وليس لهؤلاء القوم ملك ، وغذاؤهم السمك والموز والنارجيل وقصب السكر ، ولهم مواضع يأوون إليها شبيهة بالغياض والآجام وأكثر نباتهم الخيزران ، وهم عراة لا يستترون بشيء وكذلك نساؤهم أيضا ، لا يستترون في النكاح بل يأتونه جهارا ولا يرون بذلك بأسا ، وربّما فعل الرجل منهم بابنته وأخته وليس يرى بذلك عارا ولا قبيحا ، وهم سود مناكير الوجوه مفلفلو الشعور طوال الأعناق والسوق مشوّهو الوجوه جدا . جابة « 1 » : جزيرة من جزر الهند أيضا تلي جزيرة كله ، ولها ملك اسمه جابة وقد تكون سميت به ، وهو يلبس حلة الذهب وقلنسوة الذهب مكلّلة بالدرّ والياقوت ، ودراهمه مطبوعة بصورته ، وهو يعبد البدّ ، والبدود هي الكنائس بلغة أهل الهند ، وبدّ الملك حسن البناء والهيئة ، وفي داخل البدّ أصنام من كل جهة مصنوعة من حجارة الرخام وعلى رؤوسها التيجان المكللة بالذهب ، وصلاتهم في هذه الكنائس غناء وتلحين وتصفيق لطيف بالأكف وزفن الجواري الحسان ولعبهن فيكون ذلك كله بين أيدي المصلين والمجتمعين في البدّ ، ولكل بدّ من تلك الجواري عدة يأكلن ويلبسن من مال البد ، وان المرأة إذا ولدت بنتا حسنة الصورة جميلة القد تصدّقت بها على البدود وإذا ترعرعت وشبت كستها أبلغ ما تقدر عليه من الثياب وأخذت أمها بيدها ، وحولها أهلها نساء ورجالا ، وسيّرتها إلى البد الذي تصدقت بها عليه وتدفعها إلى خدامه وتنصرف ، فإذا صارت الطفلة بيد خدام البد دفعوها إلى نساء عارفات بالزفن وجمل اللعب مما تحتاج إليه ، فإذا قبلت التعليم لبست أفضل الثياب وحليت بأرفع الحلى ولزمت البد ولم يكن لها خروج عنه ولا زوال ، وكذلك سنة الهنديين الذين يعبدون البدود . وبهذه الجزيرة شجر النارجيل كثير والموز المتناهي طيبا وكثرة وبها قصب السكر والأرز . جامة : من بلاد الإفريقية « 2 » . الجاثليق « 3 » : من أرض السواد بالعراق وفيه نزل عبد الملك ابن مروان حين توجه إلى لقاء مصعب بن الزبير وذلك سنة اثنتين وسبعين ، وهو في عساكر مصر والجزيرة والشام ، وجاء مصعب في أهل العراق فالتقيا بمسكن ، قرية من أرض العراق على شاطئ دجلة ، وكاتب عبد الملك رؤساء أهل العراق ممن كان مع مصعب سرا يرغبهم ويرهبهم ، وكان إبراهيم بن الأشتر على مقدمة مصعب ، فاقتتلوا حتى غشيهم المساء وقتل إبراهيم بن الأشتر بعد أن نكا فيهم ، وسار عبد الملك حتى نزل دير الجاثليق ثم تصافّ القوم ، فأفرد مصعب وتخلى عنه من كان معه من مضر واليمن ، وبقي في سبعة نفر منهم إسماعيل بن طلحة بن عبيد اللّه وابنه عيسى بن مصعب ، فقال له أبوه مصعب : يا بني اركب فرسك والحق بعمك ودعني فإني مقتول ، فقال له : لا واللّه ، لا تتحدث نساء قريش اني فررت عنك ولا أحدثهم عنك أبدا ، فقال له المصعب : أمّا إذ أبيت فتقدم أحتسبك ، فتقدم عيسى فقاتل حتى قتل ، وأمر عبد الملك أخاه محمدا أن يمضي إلى مصعب فيؤمنه ويعطيه عنه ما أراد ، فمضى محمد فوقف قريبا من مصعب ثم قال : يا مصعب هلم إلي أنا ابن عمك محمد بن مروان ، قد أمنك أمير المؤمنين على نفسك ومالك وكل ما أخذت وأن تنزل أيّ البلاد شئت ولو أراد بك غير ذلك لأنزله بك فأنشدك اللّه في نفسك ، وأقبل رجل من أهل الشام إلى عيسى بن مصعب ليحتز رأسه فعطف عليه مصعب فقدّه وعرقب فرس مصعب وبقي راجلا ، واقبل إليه عبيد اللّه بن زياد بن ظبيان فاختلفا ضربتين سبقه مصعب بالضربة إلى رأسه ، وكان مصعب قد أثخن بالجراح ، وضربه عبيد اللّه فقتله واحتز رأسه وأتى به عبد الملك فسجد ، وقبض عبيد اللّه على قائم سيفه فاجتذبه من غمده حتى أتى على أكثره سلّا ليضرب به عبد الملك حال سجوده ثم تذمم واسترجع ، وكان يقول بعد ذلك : ذهب الفتك من الناس إذ هممت ولم أفعل ، فأكون قد قتلت عبد الملك ومصعبا ملكي العرب في ساعة واحدة ، وتمثل عبيد اللّه عند مجيئه برأس مصعب رضي اللّه عنه : نعاطي الملوك الحقّ ما قسطوا لنا * وليس علينا قتلهم بمحرّم . وقال عبد الملك : ما تلد قريش مثل مصعب ، فأمر عبد الملك بمصعب وابنه فدفنا بدير الجاثليق . وفي مصرع مصعب بدير الجاثليق . يقول عبيد اللّه بن قيس الرقيات « 4 » :

--> ( 1 ) نزهة المشتاق : 29 ، وابن الوردي : 67 . ( 2 ) في ع بياض بمقدار سطرين بعد هذا . ( 3 ) حقه أن يرد في باب الدال لأن اسم المكان « دير الجاثليق » ، والنصّ عن مروج الذهب 5 : 242 . ( 4 ) ديوانه : 196 .