محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )
148
الروض المعطار في خبر الأقطار
صفراوي ، قال : فدخلنا على الشيخ فقام ودخل بيته وجاء على يده قصعة فيها لبن وخبز وقال لي : كل أنت هذا ، وفي يده الأخرى رمان حلو وحامض فقال للرجل : كل أنت هذا . وقال عبد العزيز البحراني : قصدت التينات أزوره فسألت صبيا عن مسجده فقال : قد آذيتم الشيخ الزمن ، كم تأكلون خبز هذا الضعيف ، فوقع في قلبي قوله فاعتقدت أن لا آكل طعاما ما دمت بتينات ، فبت ليلتي ما قدم لي شيئا ولا عرض عليّ ، فلما خرجت وصرت إلى الزيتون فإذا به يصيح خلفي فالتفت فإذا به ، فدفع لي ثلاثة أرغفة ملطوخة بلبن وقال لي : كل ، قد خرجت من عقدك ، ثم قال لي : أما سمعت قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « الضيف إذا نزل نزل برزقه » ، فقلت : بلى ، فقال : فلم شغلت قلبي بقول صبيّ . قال القرافي : قدم أبو الخير تنيس فقال لي : قم حتى نصعد السور ونكبر . ثم قلت في نفسي ونحن على السور : هذا عبد أسود بم نال ما هو فيه ؟ فالتفت اليّ وقال : يعلم ما في نفوسكم فاحدروه ، فلما سمعت ذلك فزعت وغشي عليّ ، فمرّ وتركني ، فلما أفقت جعلت أذمّ نفسي وأستغفر اللّه ، فجاء وقال : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ، فقمت معه . وقال : كنت واقفا أركع فإذا اللعين إبليس قد جاء في صورة حية عظيمة فتطوق بين يدي سجودي فنفضته وقلت : يا لعين لولا أنك نجس لسجدت على ظهرك ، وقال : كنت بطرابلس الشام ليلا فذكرت الحرم وطيبه فاشتقته ، فسجدت ورفعت رأسي فإذا أنا في المسجد الحرام . قال إبراهيم بن عبد اللّه : قصدته في مسجده فإذا هو مع شخص يحدّثه فقال لي : يا إبراهيم اخرج ورد الباب ، فخرجت وجلست بالباب طويلا ، وكانت لي حاجة إليه ، فقلت في نفسي : إن كانا في سرّ فقد فرغا ، ففتحت الباب فإذا به جالس وحده ، فقلت : وأين الرجل فإنه لم يخرج ؟ فقال : يا بني هو لم يخرج من الباب ، فقلت : من هو ؟ قال : الخضر ، فبكيت وقلت : لو عرفته لسألته الدعاء . ثم مضت مدة فبعثني الشيخ أبتاع له حوائج فحملتها في كساء على ظهري فلقيت رجلا في الطريق فسلّم علي وقد بقي إلى التينات ستة أميال وقد تعبت فقال : ناولني أحمل عنك ، فناولته فحملها وجعل يحادثني بأخبار الصالحين حتى بلغنا باب التينات ، فدفعه وودعني وقال : اقرأ على الشيخ السّلام فقلت : أقول من ؟ فقال : هو يعرف ، فلما دخلت على الشيخ قال : يا إبراهيم ما استحيت حمّلته ستة أميال ما حسدتك ، وحسدتني على كلامه ، فبكيت فقلت : هو هو ؟ فقال : هوهو ولا حيلة ، تبكي إذا لم تلقه وتبكي إذا لقيته .