محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )
مقدمة 13
الروض المعطار في خبر الأقطار
« صبح الأعشى » ، وكان أكثر اعتماده عليه في التعريف بالبلاد الشامية وبلدان الجزيرة العربية ومصر ، ولم يعتمد عليه كثيرا في المغرب ( اقتصر على ذكر : تونس ، فاس ، سبتة ، مراكش ) وإفريقية وراء الصحراء ( دنقله - غانة - كوكو - تكرور ) وأقلّ من ذلك البلاد الأوروبية ( القسطنطينية ، رومة ، اقريطش ) وأقل الجميع الأندلس ، حيث أشار إشارة عابرة إلى طرطوشة ، وتحدث عن ملوك الاباريين نقلا عما ورد في مادة « أندلس » من الروض . ولا ندري سببا لذلك ، فان جعل الروض المعطار - ومؤلفه مغربي - أساسا في المعلومات الجغرافية عن مناطق المشرق ( الجزيرة العربية - الشام - مصر ) وعدم الاهتمام بمعلوماته عن بلدان المغرب والأندلس يعد عكسا للوضع الصحيح . هل كان القلقشندي يعدّ الحميري مشرقيا ؟ ان نسبة « الصنهاجي » لا توجد في مخطوطات الروض المعطار ، ولعلّ القلقشندي ذهب بسبب ذلك إلى هذا التصوّر فظنه مشرقيا . ومن بعده توقف عنده السمهودي ( - 911 ) صاحب « وفاء الوفا » في كتابه الموجز الذي لخص فيه مؤلفه الكبير ، فنقل عنه ، مع أنه ليس لدى صاحب الروض - فيما يتصل بالمدينة - مادة يستقل بها ، وأكثرها مأخوذ عن البكري ، وقد كان البكري من مصادر السمهودي ، بحيث يغنيه عن الروض المعطار . وفي القرن الحادي عشر ظلّ الكتاب موضع اهتمام ، فنجد المقري يعرفه وينقل عنه خبر وقعة الزلاقة « 1 » ؛ ثم نجد محمد بن عبد السلام الناصري الدرعي ( - 1239 ) ينقل عنه كثيرا في رحلته ، مع إدراكه تمام الإدراك بأن الحميري « لم يكن معه تحقيق في أخبار الأقطار وإنما [ ينقل ] من غيره ، ولم يجل في الأمصار » « 2 » ، وآخر من نجده يعرف الروض المعطار معرفة وثيقة هو صاحب الترجمانة الكبرى ، أبو القاسم الزياني المتوفى سنة 1249 . ويبدو أن التوجه إلى النقل عن الروض إنما تمّ لسهولة الحصول على نسخ منه ، ولما فيه من الترتيب المعجمي الذي لا يتوفر في كتاب مؤلف على الأقاليم ؛ وإلا فإن بعض ما أخذ عليه إنما كان نقلا عن المصادر المبكرة ، وخاصة ما أخذه عن البكري ؛ والبكري ممن وقع في أخطاء عديدة في كتابيه معجم ما استعجم والمسالك ؛ ورغم الاحترام الوافر الذي يكنّه العبدري له فإنه تعقب بعض أخطائه في رحلته ، كقول البكري ان إيليا تحيط بها الجبال وأنها هي في نشز من الأرض ؛ وأن قصر لجم ( الأجم في الروض ) في دوره نحو من ميل ، بينما هو أصغر من ذلك بكثير ، وقوله في سرت انها مدينة كبيرة على ساحل البحر بها حمام وأسواق ولها بساتين ونخل ، وإنما هي قصيّر صغير لا نخل حوله أبدا ؛ وقوله في نفيس انها مدينة في المغرب بينها وبين البحر مسيرة يوم ، وإنما نفيس اسم نهر ؛ وقوله في تادمكة أن تاد تعني الهيئة ، وليس الأمر كذلك بل إن « تاد » تعني
--> ( 1 ) من أطرف ضروب الاهتمام بالروض المعطار في عصر المقري ما صنعه أحمد بابا التنبكتي صاحب نيل الابتهاج بتطريز الديباج ، فقد استعار نسخة منه مكتوبة بخط مشرقي عتيق صحيح كانت في حوزة الفقيه محمد بن إبراهيم التمجروتي الدرعي سنة 1016 ، وغادر المغرب إلى تنبكت ، وظلت النسخة معه خمسة عشر عاما ، وصاحبها يكاتبه مطالبا بردها ، وأخيرا أرسل اليه سنة 1031 نسخة منقولة عنها ( انظر مقدمة بروفنسال : 11 ) . ( 2 ) رحلة الناصري ، الورقة : 215