محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )

145

الروض المعطار في خبر الأقطار

المسلمين إفريقية أسلموا على أموالهم ، وفيهم من العرب الذين سكنوا فيها من المسلمين عند افتتاحها ، وفيهم من البربر الذين دخلوها في قديم الزمان عند خروجهم من بلادهم وانجلائهم عنها ، فان بلاد البربر إنما كانت أرض فلسطين من ديار الشام وما جاور تلك البقاع ، وكان ملكهم جالوت الجبّار الذي قتله داود عليه السّلام ، فتفرقوا في البلاد ومضى أكثرهم نحو المغرب حتى وصلوا أقاصي بلاد المغرب على أزيد من ألفي ميل من القيروان فأوطنوها ، وكانت بلاد إفريقية للافرنجة فأجلتها البرابر عنها إلى جزائر البحر مثل صقلية وغيرها ثم تراجعت الافرنجة إلى مدنها على موادعة وصلح مع البربر ، فاختارت البربر سكنى الجبال والرمال وأطراف البلاد ، وصارت الروم إلى المدن والعمائر حتى جاء الإسلام وافتتحت إفريقية فانجلت الروم أمامهم إلى جزائر البحر وغيرها إلا من أسلم وبقي في بلده وعلى ماله ، مثل أهل قصطيلية وغيرها من البلاد . وأهل توزر يبيعون زبل مراحيضهم ، وهم يعيّرون بذلك ، لأنهم لا يدخلون المراحيض بالماء لئلا يفسد الزبل ، فإذا دخل أحدهم المرحاض مشى إلى أحد السواقي التي تشق مدينتهم أو إلى الوادي فاغتسل ، ويمشي عندهم دلّال المراحيض بالزبل في الاناء فإذا كان جافا حرص عليه وإذا كان رطبا زهد فيه ، ويصنعون في جناتهم مراحيض على الطرق للعامة لمن كان مضطرا أو غريبا ليس من أهلها ، أما البلدي فلو أمسك ذلك يومين ما رماه إلا في مرحاضه وذلك لتدمين أرضهم لأنها في غاية الجفوف لقربها من الصحراء . وتتفاضل بلاد الجريد في رطوبة الأرض ودهنيتها ، وتوزر أيبسها . التوبة « 1 » : جزيرة بالأندلس على البحر المحيط قد أحاط بها خليج وهي مأوى للصالحين ورباط لخيار المسلمين ، وبها آبار عذبة يعتملون عليها من أصناف البقول ما يقوم لمعايشهم مع مرافق البحر . تيليت « 2 » : في بلاد المغرب متوسطة بين القبائل القبلية وفيها تمر القوافل وفيها حصن منيع رتب فيه الجند ويعمره الوالي وخوله الأعناب الكثيرة والثمار والمياه المطردة والعمائر . تيطاوان « 3 » : بقرب مليلة مدينة قديمة كثيرة العيون والفواكه والزرع طيبة الهواء والماء . تيركى « 4 » : من عمل غانة من بلاد السودان ، وهي مدينة عظيمة لها أسواق حافلة يجتمع فيها أمم كثيرة من بلاد مفترقة من بلد غانة ومن تادمكة ، وهي في طاعة صاحب غانة وله يخطبون وإليه يتحاكمون ، وبينها وبين غانة ستة أيام . وتعظم السلاحف بأرض تيركى حتى تخرج عن القياس وهي تحفر في الأرض أسرابا يمشي فيها الإنسان وهم يأكلونها فلا يستطيعون استخراج واحد منها من تلك الأسراب إلا بعد شد الحبال فيها واجتماع العدد الكثير عليها . حدّث أحد الثقات « 5 » المسافرين في تلك الطريق ان قوما نزلوا في بعض طريق تيركى فعرّسوا [ ومعهم ] متاعهم وبتلك الطريق الأرضة كثيرة وهي تفسد ما وجدت من متاع أو غيره ولها بتلك الطريق أجحار من التراب أكواما فوق أحجارها ، ومن العجب ان ذلك التراب ند والماء هناك غير موجود على أبعد حفر ، فلا يضع التجار أمتعتهم إلا على الحجارة المجموعة أو الخشب ، فلما نزل أولئك التجار بذلك الموضع ارتاد كل واحد منهم لمتاعه حزنا من الأرض أو حجرا فبدر أحدهم في الليل إلى صخرة عظيمة فيما ظن فأنزل عليها متاعه ، وكان وقر بعيرين ، ثم نام بقرب رحله ، فلما هبّ من نومه سحرا لم يجد الصخرة ولا ما كان عليها ، فارتاع ونادى بالويل والحرب ، فاجتمع إليه أهل القافلة يسألونه عن خطبه فقالوا : لو طرقك لص لذهب بالمتاع وبقيت الصخرة ، فنظروا فإذا أثر سلحفاة ذاهبة من الموضع فاقتفوا آثارها ومشوا أميالا حتى أدركوا السلحفاة وحمل المتاع على ظهرها وهي تنهض به من غير تكلف ، فانظر هذه السلحفاة العظيمة التي تحمل وقر جملين .

--> ( 1 ) بروفنسال : 64 : والترجمة : 81 . ( 2 ) وردت في الاستبصار : 200 ثليث ( بثاءين ) ، وقال المحقق : لم نعرف شيئا عن هذه ( 3 ) تكتب أيضا : تطاون ، تيطاون ، تيطوان ( وهي المعروفة اليوم في المغرب باسم تطوان ) ، انظر الاستبصار : 137 . ( 4 ) الاستبصار : 222 ، والإدريسي ( د / ب ) : 8 / 9 ، والبكري : 180 ، وفي جميعها ( تيرقى ) . ( 5 ) سمّاه البكري : الفقيه أبو محمد عبد الملك بن نخاس الغرفة .