محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )
142
الروض المعطار في خبر الأقطار
أخرجته مكة فيما قرب من الزمان وبعد بلا استثناء ، ومن مفرداته « 1 » : أمّلت فيه الغنى من قبل رؤيته * فالآن أكبرته عن ذلك الأمل علا فما يستقرّ المال في يده * وكيف تقبل ماء قنة الجبل وقوله « 2 » : أفدي الكتاب بناظري فبياضه * ببياضه وسواده بسواده وقوله « 3 » : أهتزّ عند تمني وصلها طربا * وربّ أمنية أحلى من الظفر تجني عليّ وأجني من مراشفها * ففي الجنى والجنايات انقضى عمري وأما قول المتنبي لممدوحه من قصيدة : وأشهر آيات التهامي انه * أبوك وأجدى ما لكم من مناقب فعنى بالتهامي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذه العبارة تقتضي جهله أو قلة أدبه ، فض اللّه تعالى فاه . تهودة « 4 » : من بلاد الزاب بالقرب من بسكرة ، وهي مدينة أولية بنيانها بالحجر الجليل وعليها سور عظيم ، ولها ربض ويدور بجميعها خندق ، ولها نهر كبير ينصبّ إليها من جبل أوراس ، فإذا كان بينهم وبين أحد حرب وخافوا النزول عليهم أجروا ماء ذلك النهر في الخندق المحيط ببلدهم فامتنعوا به وشربوا منه ، وهي كثيرة البساتين والنخيل والزرع وجميع الثمار . وفي هذه المدينة حديث مشهور عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رواه شهر بن حوشب رضي اللّه عنه ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نهى عن [ سكنى هذه البقعة الملعونة التي هي تهودة وقال : « سوف يقتل بها رجال من أمّتي على ] « 5 » الجهاد في سبيل اللّه تعالى ثوابهم كثواب أهل بدر وأهل أحد وانهم ما بدلوا حتى ماتوا » ، وكان شهر بن حوشب رضي اللّه عنه يقول : وا شوقاه إليهم . قال شهر رضي اللّه عنه : سألت جماعة من التابعين عن هذه العصابة التي ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : ذلك عقبة بن نافع وأصحابه قتلهم البربر والنصارى بمدينة يقال لها تهودة فمنها يحشرون يوم القيامة وسيوفهم على عواتقهم حتى يقفوا بين يدي اللّه عزّ وجلّ . قالوا : قدم عقبة بن نافع رضي اللّه عنه مصر في خلافة معاوية رضي اللّه عنه ، وعليها عمرو بن العاصي رضي اللّه عنه ، فنزل منزلا في بعض قرى مصر ومعه جماعة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيهم عبد اللّه بن عمرو بن العاصي رضي اللّه عنهما ، فوضعت بين أيديهم سفرة فيها طعام ، فلما تناولوا من الطعام سقطت حدأة على ما بين أيديهم من الطعام فأخذت منه عرقا ، فقال عقبة رضي اللّه عنه : اللهم دق عنقها ، فأقبلت منقضة حتى ضربت بدفيها الأرض فاندقت عنقها ، فاسترجع ابن عمرو ، فسمعه عقبة فقال : ما لك يا أبا عبد اللّه ، قال : بلغني انّ قوما يغزون إلى هذه الناحية فيستشهدون بها جميعا ؛ فقال عقبة : اللهم أنا منهم ، وكان مستجاب الدعوة . ثم إن عقبة بن نافع رضي اللّه عنه خرج في أيام يزيد بن معاوية على جيش كبير غازيا إلى بلاد المغرب ، فمرّ على عبد اللّه بن عمرو بمصر فقال له : يا عقبة لعلك من الجيش الذي يدخل الجنة ، فقدّر أن افتتح عقبة بلاد المغرب حتى وصل إلى أقصاها وهي على ضفة البحر المحيط فأدخل فرسه في البحر حتى بلغ الماء السرج وقال : اللهم إني أطلب السبب الذي طلب عبدك ذو القرنين فقيل له : يا ولي اللّه وما السبب الذي طلبه ؟ فقال : الا يعبد في الأرض إلا اللّه وحده . وانصرف إلى إفريقية ، فلما دنا منها تفرق أصحابه فوجا فوجا ، فلما وصل إلى مدينة طبنة من أرض ، الزاب اذن لسائر جيشه وبقي في عدة يسيرة من أصحابه ، وكان في دخوله المغرب خطر على مدينة تهودة وعلى مدينة بادس فرأى فيهما قوة كبيرة من النصارى والبربر ، وكانت في ذلك الوقت
--> ( 1 ) الديوان : 177 ، 176 . ( 2 ) الديوان : 111 . ( 3 ) الديوان : 41 . ( 4 ) الاستبصار : 174 ، والبكري : 72 . ( 5 ) سقط من ع ، وهو ثابت في ص والاستبصار .