محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )

125

الروض المعطار في خبر الأقطار

حرف التاء تاجرا « 1 » : موضع من أحواز قابس في مكان منه يقال له لاقية ، وفي تاجرا كانت الوقيعة بين الشيخ المجاهد أبي محمد عبد الواحد ابن أبي حفص وبين يحيى بن إسحاق المسّوفي الميورقي ، وكان سببها أن يحيى بن إسحاق هذا كان تغلب على حصن المهدية في جملة ما تغلب عليه من البلاد الإفريقية ، فتحرك إليه صاحب المغرب الملك الناصر أبو عبد اللّه محمد بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن من مراكش في جمادى الأولى من سنة إحدى وستمائة ، فلما فارق بلاد المغرب وأشرف على بلاد العدوّ ، جدّ في أمره وتدرّج حتى أتى المهدية فنزل عليها في صفر من سنة اثنتين وستمائة فحاصرها ونصب عليها المجانيق وواصل حربها ، وكان يحيى بن إسحاق ترك بالمهدية نائبه وبقي جوّالا في بلاد إفريقية بعسكره ، فلما نزل الناصر على المهدية وجه الشيخ أبا محمد عبد الواحد هذا في أربعة آلاف فارس إلى لقاء يحيى بن إسحاق وأقام الناصر على محاصرة المهدية ، وكان أصحاب يحيى بن إسحاق شجعوه وحرّضوه على الثبوت فثبت ، فالتقى الجمعان بموضع يقال له لاقية من تاجرا ، وأمر يحيى أصحابه فعقلوا الإبل وأوقفوا الهوادج ازاءها ، وأمر الشيخ أبو محمد عبد الواحد أصحابه بالاعراض عن تلك الإبل والهوادج ومشوا على تعبئة ، وصدر الرماة وقدم الطلائع فصدقوا الدفاع ودارت بين الفريقين رحى الحرب ثلاث ساعات من النهار وحمل يحيى حملات وبعد ذلك انهزم أصحابه وركبهم السيف إلى الأصيل ، وأجلت الحرب عن قتل جبارة أخي يحيى وكاتبه علي بن اللمطي وعامل له يقال له الفتح بن محمد وبعض الأعراب وجماعة من الجند ، وفر يحيى في شرذمة قليلة وتفرقت حشوده وأعرابه وأخذت رايته السوداء وأحاط الموحدون بعسكره وأمواله وما كانوا حازوا من طرابلس إلى منتهى بجاية ، وقفل الشيخ أبو محمد غانما مظفرا وساق معه المتاع والكراع وسائر الغنائم . حكي انه كان في محلة يحيى نحو ثمانية عشر ألف جمل محملة بالأموال والرجال والنساء وغير ذلك وسلّم جميعها وفرّ ، ولم يقتل من جيش الموحدين إلا أربعة نفر ، وكان يحيى أنفذ عياله وأولاده وحاشيته مع ثقات أصحابه إلى موضع نحو خمسة فراسخ من محلته فلما فرّ أخذهم في صدره ولولا ذلك ما سلم له أحد منهم ، ومات في عسكر يحيى نحو المائة نفس سوى من قتل في المعركة من الفرسان واستنقذ السيد أبا زيد وجماعة من الأسرى الذين كانوا في يد يحيى أسرى ، ورجع الشيخ أبو محمد بجميع ذلك إلى الناصر وهو محاصر للمهدية ومعه الغنائم والأسرى الذين استنقذهم ، وقدم الحرسي الذي كان على نكال السيد أبي زيد على قتب سام إشهارا له وبيده راية سوداء وطيف بذلك كله على المهدية . وكانت هذه الهزيمة في الثاني عشر من ربيع الأول من سنة اثنتين وستمائة وكان بين فتح الموحدين ميورقة وبين هزيمة تاجرا نحو من ثلاثة أشهر وثلاثة أيام ، ورفع حماد المالقي وهو مشهور بالابداع هذين البيتين إلى الناصر في قطع الكاغد : رأى يحيى إمام الخلق يأتي * ففرّ أمام من يأتي إليه فشبهت الشقي بياء يفري * ولام الأمر قد دخلت عليه

--> ( 1 ) رحلة التجاني : 120 ، 357 ، 358 ، وابن خلدون 6 : 248 .