الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
372
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
فيلفت أنظار الجميع إلى الحِكَمِ المبثوثة في أرجاء الكون بما يلقنه من دروس مقدسة سامية وإرشادات حكيمة مبيناً بأجمل صورة وأجلاها ، المقاصد الإلهية من ظهوره في هذا المستوى المعرفي ، قال تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ « 1 » ، هذه الأسوة التي تمثلت في سيرة شاملة لكل النواحي الإنسانية في الإنسان : « فهي تحكي لنا سيرة الشاب الأمين المستقيم قبل أن يكرمه الله بالرسالة . كما تحكي لنا سيرة الداعي إلى الله المتلمس أجدى الوسائل لقبول دعوته ، الباذل منتهى طاقته وجهده في إبلاغ رسالته . كما تحكي لنا سيرة رئيس الدولة الذي يضع لدولته أقوم النظم وأصحها ويحميها بيقظته واخلاصه وصدقه بما يكفل لها النجاح . كما تحكي لنا سيرة الزوج والأب في حُنُو العاطفة وحُسن المعاملة والتمييز الواضح بين الحقوق الواجبات لكل من الزوج والزوجة والأولاد . كما تحكي لنا سيرة الصديق الذي يقوم بواجبات الصحبة ويفي بالتزاماتها وآدابها . كما تحكي لنا سيرة المحارب الشجاع ، والقائد المنتصر ، والسياسي الناجح ، والجار الأمين ، والمعاهد الصادق . كما تحكي لنا سيرة الشيخ المربي المرشد ، الذي يشرف على تربية أصحابه ومريديه تربيةً مثاليةً ، ينقل فيها من نفسه إلى نفوسهم ومن روحه إلى روحهم ومن سره إلى أسرارهم ، ما يجعلهم يحاولون الاقتداء به في دقيق الأمور وكبيرها ، ما يجعلهم يحبونه كحبهم لأنفسهم وأكثر من حبهم لأهليهم وأقربائهم . وقصارى القول : هذه هي حكمة التن - زل المعرفي ، وغايته الدالة على الحق والحقيقة ، ابتداءً من أقل مراتب المعرفة الظاهرية المتمثلة بالأمية والباطنية المتمثلة بالفطرة الباحثة عن خالق الكون وانتهاءً بأعلى مقام معرفي على الإطلاق ، مقام قاب قوسين أو أدنى ، ومروراً بكل مراحل الترقي ومراتب السمو ودرجات الكمال التي يتصور أن يحصل عليها مخلوقٌ من مخلوقات الله . فما كان سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إلا حياةً روحية محضة تمرُّ فيها المعاني الإلهية لتظهر للناس إلهية مفسرة ، وكلُ حياته صلى الله تعالى عليه وسلم دروسٌ مفننةٌ مختلفةُ المعاني ، ولكنها في جملتها تخاطب
--> ( 1 ) - الأحزاب : 21 .