الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

369

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

رحمةً لكل شيءٍ ، ثم بَيَّنَ انتفاع الناس بنوره صلى الله تعالى عليه وسلم وما نالهم من بركته بالأودية ، فجعل القلوب أودية منها الكبير والصغير والجليل والحقير ، فاحتمل كل قلبٍ على قدر وسعه ومقدار مادته « 1 » من الماء ، وتطرق السيل إليه قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ « 2 » . ثم شبه جسمانيته بالزبد الرابي المُحتمل على وجه الماء الصافي ، وهو مرباه الظاهر من الأكل والشرب والنكاح ومشاركة الناس في أفعالهم وأحوالهم ، فذلك كله يذهب ويتلاشى وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ من نبوته ورسالته وحكمته وعلمه ومعرفته وشفاعته فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ . واعلم أنه من كانت حكمة خلقه كذلك أنه خلق من لطيف وكثيف ليكون كامل الخلق كامل الوصف ، خلقهُ الله تعالى من ضدين جسماني وروحاني ، فجعل جسمانيته لملاقاة البشر ومُقايسات الصور ، فجعل له قوةً يلاقي بها البشر ، فيمدهم بمادة بشريته ، فيكون معهم به : وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ « 3 » ، فيكون هو لهم إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ « 4 » ، يجانسهم ويشاكلهم ، لأنه لو برز إليهم في هيئة روحانية ملكية نورانية لما أطاقوا مقابلته وما استطاعوا مقاومته ، فلذلك قال الله تعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ « 5 » ، ثم جعل له قوةً روحانية يقابل بها عالم الروحانيين وملكوت العلويين ، ليكون تام البركة ، تام الرحمة ، الروحانيون يشهدون جسمانيته ، ثم جعل له وصف ثالث خاص خارج من هذين الوصفين ، وهو أنه جُعل فيه وصفٌ رباني وسرٌ الهي يثبت به عند تجليات صفات الربوبية ، ويطيق به مشاهدة الحضرة الإلهية ، ويتلقى به أسرار الفردانية ، ويسمع به خطاب الإشارات القدسية ، وينشق به عطر النفحات الرحمانية ، ويعرج به إلى المقامات العذبة

--> ( 1 ) - وقد مثل الإمام علي كرم الله وجهه القلوب بالأوعية فقال : ( القلوب أوعية فخيرها أوعاها ) . ( 2 ) - البقرة : 60 . ( 3 ) - الحجرات : 7 . ( 4 ) - الكهف : 110 . ( 5 ) - التوبة : 128 .