الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

211

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

[ مسألة 11 ] : في طبيعة العلاقة بين النفس والجسم يقول الباحث محمد غازي عرابي : « تضاربت الآراء حول هذا الموضوع لدقته واستعصائه على التحديد والتعريف . والحق أن لا شيء كالأمثلة يوضح هذه العلاقة . ومثالنا قاطرة وسائق . فالقاطرة تشد المقطورات فهي الآلة الفعالة ، لكن القاطرة عاطلة عن القوى بذاتها وقواها مستمدة من البخار المتكون بفعل تسخين الماء فيها . ولدى تطبيق هذا المثال على العلاقة بين النفس والجسم نجد أنه من المستحسن إضافة قوى أخرى للمشبه كالروح والقلب الحيواني والدماغ . فالطفل الوليد قطار خرج من المعمل لتوه ، فهو جاهز للعمل ، والطفل عندما يطلق صرخة استهلال الحياة هو القطار الذي اشتغل بفعل قوة البخار فيه ، وهذه القوة هي النفس البخارية اللطيفة المدعوة بالنفس الحيوانية ذات الصلة بالجسم من جانب والروح من جانب آخر . وتسيير السائق للقطار هو عمل الوعي والإدراك . فالسائق هو الروح الكلي الفعال الذي يوجه ويرشد ويأمر وينهي ، وصلته بالنفس الحيوانية صلة تماس دون تماس ، مثلما يضع السائق يده على إحدى أدوات القاطرة المحركة . فالروح الكلي مرشد ومسير وموجه ، أما النفس ، فهي جسر بين السائق والقطار ، وهي سبيل السائق إلى تسيير القطار رغم انفصاله عنه ، وهي الفعالة في الجسم على الحقيقة بما أودع فيها من قوى ضمنها إياها الروح الكلي الفعال ، أي السائق ، الذي يفترض أنه هو المخترع . ولذا كان البخار جزءاً من القاطرة ، وهو مخلوق فيها ، فعال فيها ، فان بفنائها ، علماً أنه ليس قاطرة ولا جزءاً من قاطرة ، بل هو إضافة فاعلية إلى القاطرة ، ومن دونها لا تمارس القاطرة عملها . فالنفس ، وهي هنا جزئية ، صورة الجسم ، كما قال أرسطو ، وعرض جسم أيضاً ، ولكن قواها منبثقة أصلًا من قوى خارجية ، قوى ذهن مخترع أوجد البخار من ماء خارج عن نطاق القطار وبخاره .