الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
112
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
الإشارة لغة المحب مع المحبوب ، والإشارة بعد ذلك تلويح للمراد لا إفصاح عنه لعدم قدرة الألفاظ على تحمل المراد ، لأن العبارة تحدد ما يشيرون اليه ، وما يشيرون اليه إنما يكون عن مشاهدة ، وما يشاهدونه ليس بمحدود إذ هو من عالم الغيوب ، فلا اللفظ قادر على تحديد المراد ، ولا قابليات العقول تطيق ذلك . ومن ثم سميت مذاقاتهم في القرآن إشارات ولم تسم تفسيراً . وقد تحلى القرآن الكريم بمثل تلك الإشارات من رموز الحواميم وألم وطسم الخ ، وهي إشارات بين الحق ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم أو ( شفرات ) بالتعبير الحديث بين المحبوب وحبيبه ولا يعرف حلها إلا من لديه مفتاحها . ومفتاح تلك ( الشفرات ) وفهم تلك الإشارات في حوزة من لديه الفهم لمراد المشير ، وهم بعد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ورثته من العلماء بالله وأوليائه . نقل عن الصالحين أن الله تعالى لما أنزل على سيد العالمين صلى الله تعالى عليه وسلم قوله تعالى : كهيعص « 1 » ، قال جبريل عليه السلام : ( ك ) قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : عرفت . قال جبريل عليه السلام : ( ه - ) قال : - اللهم صل عليه وآله عرفت ، قال جبريل ( ي ) قال : عرفت ، قال جبريل : عليه السلام قال عرفت ، قال جبريل عليه السلام قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : عرفت ، قال جبريل : عرفت وأنا لم أعرف سبحان من أعطاك . ومن هنا فهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وحده مقالة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم حين نظر إليه وقال : أتذكر يوم لا يوم ؟ فقال نعم ، ولم يفهمها غيره من الصحابة الحاضرين . ولما سئل الصديق رضي الله عنه عن ذلك قال : « إنه يوم الميثاق » . ولا عجب فيما ينكشف لأرباب الإشارات من فيوض في قرآن الله أو حديث رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فما زال المفسرون يتجدد لهم في كلام الله كل يوم معان لم تسبق ، لا ينكرها الناس بل إليها يستريحون ، ففيم الإنكار على أرباب الإشارات وهم عن الله مشاهدون ، ولهم منازلات ومقامات فيتكلمون بما يشاهدون في منازلاتهم وينطقون عما يرون في مقاماتهم ؟
--> ( 1 ) - مريم : 1 .