الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

110

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

وإذا كانت لغة العقل تدرك بالألفاظ ، ويعبر عنها بالكلمات فلغة القلب تدرك بالذوق ، لأنه لا يحيط بالتعبير عنها اللفظ . ولنقرب إلى الفهم ، فلغة القلب مثل التفاحة . . فلن يستطيع من أكلها وأحس حلاوتها أن يترجم باللفظ أو يعبر بالوصف لمن لم يأكلها قبل - عن طعمها ومذاقها . وهكذا لا تدرك لغة القلب بوصف أو بلفظ ، وإنما يدركها ذو قلب متذوق . ولذلك لا تحيط بالتعبير عن لغة القلب العبارة ، وإنما يعبر عنها بالإشارة . فالإشارة : ترجمان لما يقع في القلب من تجليات ومشاهد ، وتلويح لما يفيض به الله على صفوته وأحبابه من أسرار في كلام الله وكلام رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم . ومن هنا كانت مذاقات الصوفية وأهل التحقيق في قرآن الله الكريم وكلامه القديم . . . وهم لا يرون أن تلك المذاقات وحدها هي المرادة ، وإنما يأخذونها إشارات من الله لهم بعد إقرار ما قاله أهل الظاهر من تفسير باعتباره أصل التشريع . وجلي بعد ذلك أنه لا مجال لمعترض ممن ينكر عليهم مذاقاتهم ، ويراها ميلًا بكلام الله عن مجراه ما داموا لا يأخذون بمذاقاتهم وحدها ، وإنما يأخذون بها مع إقرارهم لتفسير أهل الشرع . فلا يعنينا من ذي جدل أن يقول عن هذه الإشارات أنها إحالة لكلام الله عز وجل وتغيير لسياقه ومجراه ، لأن ذلك يصدق لو قالوا : إنه لا معنى للآية إلا هذا ، وهم لا يقولون ذلك بل يقرون الظواهر على ظواهرها ويفهمون عن الله ما أفهمهم . وذلك مصداق الحديث الشريف : لكل آية ظاهر وباطن وحد ومطلع « 1 » ، فالباطن لا يعارض الظاهر ، والظاهر لا يعارض الباطن . وذلك النهج بعيد كل البعد عما نادى به ( الباطنية ) من الأخذ بباطن القرآن لا ظاهره ، وقصرهم معاني القرآن على ما ادعوه من تفسيراتهم دون غيره ، لأنهم بذلك لا يقرون الشريعة ويبطلون العمل بها . وهم لا يخضعون دعواهم للنص القرآني بل يخضعون النص القرآني لدعواهم .

--> ( 1 ) - فيض القدير ج : 2 ص : 395 .